كيف لدراما أن تكون أداة تغيير وهي تغيّب مجتمعاتها وتمحو صورتها؟!

أزمة الخطاب الدرامي… والسياق المفقود

التفاصيل

 

شكل نجيب وأولاده الستة في مسلسل «سنعود بعد قليل» للكاتب رافي وهبي والمخرج الليث حجو نماذج إنسانية خالصة، لكل شخصية حكايتها وأبعادها الإنسانية وهمومها وظلالها في الواقع، وحين تتشابك خيوط تلك الشخصيات، تشكل بتشابكها القضية العامة للمسلسل؛ أي الأزمة التي تركت ظلالها على البعض.
ذلك واحد من تأويلات متعددة، بدت شخصيات «سنعود بعد قليل» (عرض في رمضان 2013) مفتوحة على احتمالاتها، وهو تأويل لا يبدو بريئاً من تصورات مسبقة في عقل المشاهد/ عقولنا، عمن يتحدث المسلسل، وحول ماذا تدور حكايته.
وفي المقابل يمكن لمشاهد آخر للمسلسل ذاته أن يخرج بتأويل ثان للشخصيات، منفردة كانت أو مجتمعة، شريطة أن يكون متحرراً من تصوراتنا المسبقة تلك، ورغم أن شخصيات «سنعود بعد قليل» تدور في فضاء حدث واقعي، هو الحدث السوري خلال السنوات الأخيرة وتداعياته على السوريين.. ولكن ماذا يمنع المشاهد- الآخر غير السوري أن يتعاطف مع الشخصيات وفق تصورات عنها تخصه وحده…؟
وما دام السيناريست رافي وهبي نجح في أن يستوحي فكرة عمله من حكاية الأرمل وأبنائه الخمسة في الفيلم الإيطالي (الجميع بخير)، ما الذي يمنع أن تخلف حكاية نجيب وأبنائه، في نفس هذا المشاهد، معادلات لنماذج إنسانية في فضاء وعوالم أخرى…؟ وهل يتطلب ذلك أكثر من تذوق للحالة الإنسانية التي يعيشها أبطال العمل..؟!
المسألة هنا تتعلق بالخطاب الدرامي وتحليله ضمن السياق الذي تؤول فيه مضامينه، ومن ثم في كل مرة تحتاج الإشارات الدرامية التي يرسلها العمل إلى إشارات حياتية معيشة تتقاطع معها لتترك أثرها، تبشيراً أو تأثيراً في فهم المشاهد وتفسيره لما يراه أو لما سبق أن عاشه ويعيشه.
إلا أن هذا السياق هو مشكلة الأعمال الدرامية اليوم، إذ كيف لدراما أن تكون حاملاً اجتماعياً سريع الانتشار وأداة تغيير وتأثير، وهي تغيّب مجتمعاتها وتمحو صورتها أو تتلاعب في تفاصيلها من أجل أن تحاكي منتجاً بمواصفات السوق..؟!
الأمر برمته يؤكد أن الخلل الوظيفي الذي أصاب الدراما التلفزيونية اليوم، وافتقادها لدورها المفترض كوسيط فني ثقافي، يعود لخلل في بنية الصناعة نفسها، وبمعنى أدق, لحالة الأمية والتجهيل التي أصابت عناصر فاعلة في هذه البنية، ولاسيما العقليات الإنتاجية فيها.

#تشرين

شاركها على الشبكات الاجتماعية

اقرأ أيضا : مقالات مشابهة

التعليقات

Leave a comment Html not supported