ما الذي يجعله استثنائياً بهذا القدر..؟

“غدا نلتقي”.. قواعد النجاح الأربعة

التفاصيل

 

شكل مسلسل “غداً نلتقي” حالة خاصة (وربما استثناء) في خارطة الدراما التلفزيونية السورية والعربية، وقد حظي بحالة إجماع نقدي وجماهيري واسعة، ولكن ما الذي يجعله استثنائياً بهذا القدر..؟

عمق الحكاية وملامستها للجانب الحار من الواقع السوري وقدرتها على تجاوز الألغام في معالجة هذا الواقع ورمزيتها العالية وجماليات مقولاتها، ربما يشكل مدخلاً لفهم حالة الإجماع التي نالها المسلسل، إلا أن ذلك ليس كل أسبابها، فقد سبق ونالت عدد من المسلسلات التلفزيونية السورية الحالة ذاتها من الاحتفاء النقدي والجماهيري ومن الظلم أن نتجاهلها، لنرفع “غداً نلتقي” دون سواه إلى درجة الاستثناء لمضمونه فقط.

بالغالب يمكن رد حالة الاستثناء التي تميز بها “غداً نلتقي” لاكتمال معادلة صناعته بين الكتابة والإخراج والتمثيل والإنتاج، وتفوق العناصر الأربعة على شروط العمل التلفزيوني السائد أولاً وعلى نفسها ثانياً، ونجاحها بالخروج من دائرة الاستهلاك والتشابه، لا على صعيد المضمون وحسب وإنما على صعيد الصورة أيضاً.

ذلك الاستثناء يتطلب بالضرورة عملية تفكيك لآلية صناعة مسلسل “غداً نلتقي” للخروج بتوصيف مقترح لقواعد نجاح للعمل الدرامي التلفزيوني، مع إدراكنا اننا نتحدث هنا عن عمل إبداعي له خصوصيته التي تجعله أكبر من أن يخضع نجاحه لحسابات علم الجبر، ولكننا في النهاية محكومون بالبحث عن طوق نجاة من داء العقم الذي يصيب كثيراً من إنتاجنا الدرامي العربي، وفي تشخيص التميز ما قد ينفع في تحديد العلاج.

أربع قواعد نجد أن “غداً نلتقي” نجح عبرها كمسلسل تلفزيوني مختلف، بغض النظر عن مضمونه، هي آلية كتابته والقصدية فيها، وبنائها السينمائي، مضموناً وصورة، والموازنة بين اشتراطات تنفيذها واشتراطات الحالة الإنتاجية.

  • الشغل على المشهد
بدت مشاهد "وردة" (كاريس بشار) كما لو أنها عملاً قائماً بحد ذاته رغم أنها لا تنفصل عن السياق العام لبقية المشاهد

بدت مشاهد “وردة” (كاريس بشار) كما لو أنها عملاً قائماً بحد ذاته رغم أنها لا تنفصل عن السياق العام لبقية المشاهد

يتألف السيناريو من وحدات درامية هي المشاهد، والمشهد يتألف من لقطة أو أكثر، وهو يؤدي دوراً مزدوجاً، الأول عام يتمثل بالمشاركة في بناء جسد الحكاية وشخوصها ودفعها نحو نهايتها حيث تكتمل مقولات العامة وأهدافه، أما الدور الثاني فهو خاص، حيث يفترض أن يؤدي المشهد أهدافاً جزئية، تتعلق بالأحداث أو الشحصيات، وببلوغ ذرى درامية، أو حل تأزم عقدتها، وبمقدار ما يحتشد المشهد بأهداف خاصة، بمقدار ما يمتاز بطاقة درامية عالية، وهذه الأخيرة قلما تتوافر في مشاهد متتالية في العمل الواحد.

ورغم أنه ينصح عند كتابة السيناريو بخلخة المشاهد ذات الطاقة الدرامية العالية بأخرى ذات طاقة منخفضة، لإراحة الجمهور واتاحة الفرصة له لالتقاط أنفاسه والتمهيد لمشهد ثان بطاقة عالية، إلا أن المشاهد ذات الطاقة الدرامية العالية لا تغيب عملياً تغيب عن  لهذا السبب دائماً عن درامانا، فكثير من نصوصها اليوم، باتت مشاهدها مجرد حكي، خلافاً لما تابعناه في مسلسل “غداً نلتقي” حيث يبدو الفعل الدرامي في أوج طاقته، وحين تنخفض طاقة المشهد، يبقى الفعل قائماً، ولكن على تنفيذ أهداف أقل، أبسطها تعديل الحالة المزاجية للمشاهد أو لشخصيات العمل.

وما من مكان للحكي في “غداً نلتقي” دون هدف واضح سواء لذاته (التعبير) أوللآخرين (التغيير). ولا طغيان للحكي على الفعل الدرامي، فهذا الأخير يبقى هو السائد، حتى يكاد يغيب الحكي أحياناً لصالحه، وإلا ما معنى وجود شخصيتين في العمل فاعلتين بلا كلام، الأولى هي الشخصية التي أداها الفنان محمد حداقي وقد شكلت خطاً درامياً قائماً بذاته في العمل وتقاطعت وخط عائلة إيهاب وخلود، أما الشخصية الثانية فهي شخصية “أم إيهاب” التي أدتها الفنانة فاتن شاهين، بلا كلام ولا حركة، ولكنها اختزنت طاقة رمزية في العمل.

بلاشك أن الشغل على مشاهد “غداً نلتقي” مرت بالمراحل التي تحدثنا عنها أعلاه، بوصفها الطريقة التقليدية المثلى لكتابة السيناريو، ولكن الجديد في المسلسل، هو عملية تفكيك على ما يبدو خضعت لها تلك المشاهد، فأبقت على أهدافها الخاصة والعامة، وأعيد بنائها من جديد، على نحو بدت كثيراً من المشاهد كما لو أنها عملاً قائماً بحد ذاته رغم أنها لا تنفصل عن السياق العام لبقية المشاهد.

ذلك الأسلوب من الشغل بدا أكثر وضوحاً في عدد من مشاهد “وردة” (كاريس بشار) لاسيما تلك التي بدت ببنية مونودرامية، ولكنه لم يغب عن كثير من مشاهد العمل، بل وفي بعض المشاهد كان الشغل على اللقطة.. لنتذكر في هذا السياق، مشهد زفة وردة الصامت، أو مشهد شجار الأخوين محمود جابر في غرفة وردة الذي انتهى إلى حريق الغرفة، أو مشهد وردة وهي تواسي أم عبدو في الحلقة الأخيرة، وتبادلهما أدوار المواساة الذي ينتهي بلقطة مقتل أبو عبدو على يد داعش.

  • البناء السينمائي
ما تم إنجازه على الورق بفكر سينمائي، سيستكمله رامي حنا أثناء التصوير عبر سرد بصري سينمائي

ما تم إنجازه على الورق بفكر سينمائي، سيستكمله رامي حنا أثناء التصوير عبر سرد بصري سينمائي

لا تكتفي إعادة البناء التي خضعت لها مشاهد “غداً نلتقي” بفعل الكتابة على الكتابة، وإنما هي تقوم بكتابة سيناريو تلفزيوني لصورة سينمائية، وقد حافظ الفنانان إياد أبو الشامات ورامي حنا حافظا على مواصفات الكتابة الدرامية للتلفزيون في عملهما، ولكنهما عادا ليشتغلان عليه، أي السيناريو، كما لو أنه معد للتصوير السينمائي، وذلك باشتغالهما على التفاصيل الدقيقة ضمن المشهد الواحد، ولقطة تلو أخرى، مقابل الاستغناء عن كل ما يمكن للمشاهد أن يستنتجه ويدركه ضمن هذا المشهد دون أن يراه، فضلاً عن التخلي عما يعرف بالمشهد الجسر، الذي يلجأ إليه عادة في المونتاج لتبرير مرور الوقت بين مشهدين مستمرين.

وفق هذا الأسلوب من عمل أنتج الثنائي (حنا-أبو الشامات) مادة تلفزيونية مختزلة ومكثفة على الطريقة السينمائية، خالية ما أمكن من حشو وثرثرة ومشاهد تمهيدية.

وما تم إنجازه على الورق بفكر سينمائي، سيستكمل أثناء التصوير عبر سرد بصري سينمائي، وتقطيع مونتاجي متناغم، وقد باتت المشاهد التلفزيونية تقبل أي استعارة يريدها رامي حنا ،مخرجاً، من أسلوب التصوير السينمائي المعتاد، فلا يكتفي منه بالتصوير بالكاميرا الواحدة وحسب، لقطة بلقطة، وإنما يتجاوز ذلك عبر الإضاءة ومستوياتها ودلالتها وعمق الكادر والمونتاج.

  • القصدية في الكتابة
شخصية اللاجئ الفلسطيني التي قدمها تيسير ادريس، تتقاطع ببنائها العام، مع فلسطيني قريته "الطيرة"

شخصية اللاجئ الفلسطيني التي قدمها تيسير ادريس، تتقاطع ببنائها العام، مع فلسطيني قريته “الطيرة”

المستوى الثالث من الكتابة كان في ما يصطلح على تسميته بـ “القصدية في الكتابة”، وهو ما عرفناه بشكل واضح في أسلوب الفنان الراحل نهاد قلعي حين كان يقوم بكتابة دور معيّن لصالح ممثّل بعينه، أو يعمل على تدوير سلوك الشخصيات ومساراتها وتطويرها وفقاً لأداء ممثليها على نحو يستفيد من مقدراتهم التمثيلية ومرونة أدائهم في تجسيدها.

الحديث على هذا النحو عن “القصدية في الكتابة” لا يعني أن الثنائي (أبو الشامات- حنا) كتبا لأسماء تمثيلية بعينها، ولا ينفي في الوقت ذاته احتمال أنهما كتبا وفي مخيلتهما وجوه تمثيلية بعينها لتأدية شخصيات العمل، ولكن المؤكد أنهما كتبا عن شخصيات يعرفونها، حتى لو لم يلتقياها، شخصيات افتراضية ربما، ولكن لها ظلالها الحقيقة في الشارع، التي تتقاطع همومها مع هموم الناس اليومية وقضاياهم.. وهو الأمر الذي يجعلها قريبة من الممثلين والناس على حد سواء، بل ويبلغ الإحساس بها ومصداقيتها وواقعيتها حد اعتقاد الممثل جازماً أنها كتبت له، وذلك الإحساس سيتكامل بلاشك مع إسناد مهمة تجسيد تلك الأدوار، لذات الوجوه التي راودت مخيلة ثنائي الكتابة.

كمشاهد كان من الصعب على سبيل المثال، أن أفكر بأن دور “أبو ليلى” كتب لممثل آخر غير الفنان تيسير إدريس، فالشخصية  اللاجئ الفلسطيني السّوري، التي قدمها العمل، تتقاطع من حيث البناء العام، وعلى نحو كبير، مع فلسطيني أحدى القرى الفلسطينية المعروفة باسم (الطيرة)، وقد عُرف أهل تلك القرية بممارستهم مهنة طلاء الجدران وولعهم بشرب (العرق)، فكيف لتيسير إدريس ابن قرية الطيرة الفلسطينية ألا يمتلك اليقين بأن هذه الشخصية كتبت له، وفيها شيء يخصه، كيف له ألا يتماهى معها، ويسمو بأدائها على النحو المبدع والمختمر الذي قدمها به في العمل.

ما ينطبق على شخصية أبو ليلى ينطبق على كافة الشخصيات التمثيلية، وعلاقة الممثلين معها، وهي بالغالب تتقاطع معهم (ليس بالضرورة أن تشبههم) بحسها الإنساني وتغازل مقدراتهم التمثيلية وربما ميولاتهم الحياتية، وعلى نحو يمكن القول فيه أن تلك الشخصيات حملت ما يربط حبل السرة بينها وبين من يؤديها.

  • مدة التصوير

%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%b9%d9%85-%d8%b9%d9%85%d8%a7%d9%8a%d8%b1%d9%8a-%d8%ba%d8%af%d8%a7-%d9%86%d9%84%d8%aa%d9%82%d9%8aكان من الطبيعي أن يؤدي الذهاب باتجاه اللغة السينمائية في تنفيذ مسلسل “غداً نلتقي” إلى أن يستغرق العمل مدة تصوير أكبر من المعتاد في تصوير مسلسل تلفزيوني اجتماعي وهو الأمر الذي لا يبدو متاحاً دائماً ضمن الشروط الإنتاجية التي تنفذ فيها الدراما التلفزيونية اليوم، ولعل النتيجة التي خلص إليها المسلسل من شأنها أن تدعونا لإعادة النظر في الاشتراطات الإنتاجية المعمول بها اليوم، على نحو يتياح لصناع الأعمال الدرامية التلفزيونية الذهاب باتجاه اللغة السينمائية في أعمالهم التلفزيونية، ففي ذلك ما يضمن شكلاً فنياً مميزاً وسوية فنية مختلفة على الأقل، ولعلها على هذا النحو تنقذ ما يمكن إنقاذه من حالة الانهيار الذي تشهدها الدراما التلفزيونية العربية اليوم.

 

 

 

شاركها على الشبكات الاجتماعية

اقرأ أيضا : مقالات مشابهة

التعليقات

Leave a comment Html not supported