أحكامنا وأرقامنا (تضليلية).. وللناس فيما يشاهدون مذاهب

التفاصيل
  • بقلم ماهر منصور

حين أقلعت عن الجزم في أحكامي النقدية، وتفتيل العضلات أمام كل عيب اكتشفه في الأعمال الفنية، أدركت أنني غادرت «مراهقة» الكتابة، ففي سن النضج عرفت معنى أن ما من أحد يمتلك وصفة كاملة لنجاح العمل الفني، وأن العمل الدرامي مهما بلغ كماله أو نقصه يبقى لديه من يحبه أو يبغضه، إذ يرى الباحثون أن كل فرد من مشاهدي الدراما يمتلك نسقاً من الدوافع والمشاعر والمعارف، والعمل الدرامي الذي يجذبه ويحبه هو ذلك الذي يوفر مساحة لإشباع نسق دوافعه ومشاعره ومعارفه.

وفق تلك الرؤية يمكن القول: إن أحكام المشاهدة التي نصدرها على الأعمال الدرامية، ومنها الأحكام النقدية بطبيعة الحال، تشبه تلك التي يخلص إليها الخاضعون لاختبار «بقع حبر رورشاخ»، وهو اختبار نفسي يتضمن عشر بطاقات، وُضعت بقع الحبر في كل بطاقة منها بشكل معين ومتناظر محورياً، على أن يقوم الخاضع للاختبار بتفسيرها، حيث تبين أن تفسير تلك البقع يختلف من شخص إلى آخر، اعتماداً على عقله وما يختزنه من معلومات ودوافع وسلوك ومشاعر.

لهذا السبب أعتقد اليوم أن الأحكام النقدية على الدراما والأرقام التي تقدمها أنظمة التقييم الإحصائي، من وسائل التواصل الاجتماعي وصولاً إلى أبحاث الشركات المتخصصة، مروراً بالاستطلاعات التي تجريها المجلات والمواقع الإلكترونية، وتلك المختصة بالبيانات، اعتقد أنها «تضليلية»، أو تمثل جانباً واحداً من الحقيقة لا كلها، حين يتعلق الأمر بتفضيلات الناس الفنية والأحكام الجازمة بشأنها التي تبدأ بكلمات من قبيل «أفضل»، أو «أهم»…إلخ .

هنا لا ندعو إلى مصادرة الأحكام النقدية وإسقاط قواعد البيانات والأرقام ورأي الناس عموماً، وإنما ندعو إلى تفهم حقيقة ما تمثله، ووعي أن ما نصدره بوصفه العمل الأبرز أو الأهم في عام من الأعوام، هو في الحقيقة العمل الذي قدم مساحة أوسع لإشباع دوافع أكبر عدد من المشاهدين وليس كلهم، وهذا الحكم يتطلب الوصول إليه، بالضرورة، بحثاً من منظور سيكولوجي ثقافي إضافة إلى البحث الفني، لذلك قلنا  إن مهمة الناقد تكمن في «نقل معرفته وحماسته للفن للآخرين»، أي في الارتقاء بمعارف المتلقي الفنية، على نحو تصير مساحة إشباع النسق الأساس لدوافعه مشاعره ومعارفه، مهمة يتطلب نجاحها من صانعي الدراما الكثير من الحرفية والجدية في العمل والارتقاء بمضامين أعمالهم الفكرية، وعدم الفصل بين الجمهور المستهدف وثقافته.

*نشرت في صحيفة تشرين 6/5/2019

الوسوم
شاركها على الشبكات الاجتماعية
التعليقات

Leave a comment Html not supported