نموذج لشخصية درامية شديدة التعقيد متعددة الأبعاد

“شغف”.. هاملت شكسبير يولد بوجه أنثوي في “هوا أصفر”

التفاصيل

تبدو شخصية “شغف” في مسلسل “هوا أصفر” للكاتبين علي وجيه ويامن الحجلي هاربة من وسط شخصيات الكاتب الإنكليزي وليام شكسبير، ليس لأنها “ذات بأس وعزيمة وقدرة على حسم القرار” كما يصف الكاتب المصري الراحل رجاء النقاش النساء في مسرحيات شكسبير، في كتابه “نساء شكسبير”، وإنما لأنها تتقاطع مع صفات شخصياته الذكورية أيضاً، من حيث تصميم الشخصية وتعدد أبعادها وسلوكها.. وبالتحديد مع شخصية “هاملت”.

تجد “شغف حاتم” نفسها وسط ظروف مثيرة وصعبة تتناقض مع طبيعة شخصيتها، إذ تدير كازينو وناد للقمار، بعد إصابة زوجها رجل الأعمال جلال عز الدين في حريق شحنة خيوط الحرير المستوردة في مستودعه، دخل بعدها في غيبوبة طويلة مر عليها عدة شهور.

وبينما يغرق زوجها في غيبوبته هذه، تواجه شغف مشكلة خسارة حصة زوجها في الكازينو والحجز على ممتلكاته بسبب قرض بنكي عاجل السداد، بالإضافة إلى مواجهة عداوة أبن عم زوجها كريم، تاجر المخدرات المغرم بها والمتنفذ في المنطقة.

ومع اكتشاف شغف محاولة قتل لزوجها في غيبوبته بإعطائه جرعة زائدة من البوتاسيوم، ترتفع حدة صراعها مع كريم، ووسط هذا الصراع ستقع في حب الشاب “سوار”.. من دون أن تتخلى عن زوجها “جلال” الذي تقول إنها تحترمه ولم تحبه.

ولأن شغفاً تحمل ذنباً تجاه زوجها جلال كونها هي من شجعته على أخذ قرض لاستيراد خيوط الحرير التي احترقت، تضطر للقيام بإدارة نادي القمار مجبرة، رغم أن الأجواء فيه لا تشبه حقيقتها، تعترف شغف للشاب “سوار” أنها لا تحب عملها في الكازينو، فهو لا يناسبها، ولاسيما أن رواده المجبرة على التعامل معهم من لاعبي القمار ممن لا يمتلكون مبدأ في الحياة، الأمر الذي يفرض عليها التمترس خلف ألف قناع وقناع لتستطيع الصمود فيه.

%d8%b4%d8%ba%d9%81-%d9%87%d9%88%d8%a7-%d8%a3%d8%b5%d9%81%d8%b11

تصميم شخصية “شغف” على هذا النحو، يعكس ثقافة كاتبي “هوا أصفر” علي وجيه ويامن الحجلي ووعيهما لسر سحر شخصية “هاملت” كما أبدعها شكسبير، والذي يحيلانه سحراً في شخصية “شغف”، فكلاهما، أي “هاملت” و”شغف”، يُدفعان، تحت ضغط شعورهما بالذنب وثقل الواجب، إلى فعل المواجهة والثأر، ويجدان نفسيهما مجبرين على القيام بأفعال وتبني خيارات لا تشبههما، وكلاهما يتبعان أساليب ميكيافلية للوصول إلى أهدافهما.

“شغف” و”هاملت” نموذجان لشخصية درامية شديدة التعقيد متعددة الأبعاد، تجتمع في شخصية كل واحد منهما التناقضات؛ القسوة واللين، الضعف والقوة، العقلانية والتهور، البراءة والتوحش.. وكلاهما يكرهان ما يفعلان، ولكنهما يقدمان عليه، وكما شبح والد “هاملت” لا يكف عن الظهور للأمير الدانماركي ليؤكد له بأنه قُتل من قبل أخيه، يضغط شبح الحجز على أموال جلال وعداوة كريم على “شغف”… ليجد الاثنان نفسيهما أمام خيار المواجهة : ” أكون أو لا أكون”.

غير أن “شخصية” شغف” رغم بنائها الشكسبيري تولد من لدن نص علي وجيه ويامن الحجلي “هوا أصفر” وفق اشتراطات سيناريو المسلسل، ولا تدخله قادمة من نص شكسبير “هاملت”، فهي تتفاعل مع الحدث في المسلسل السوري وتكتسب سماتها من الواقع حولها ومن حواراتها الظاهرية والداخلية، وهي “محكومة ومحددة بشبكة العلاقات التي تحكم النص الدرامي” على حد تعبير الروائي السوري “نهاد سيريس”.. ولولا تفاعل “شغف” مع الموقف الدرامي في نص (وجيه والحجلي) وتفاعلها المتبادل مع شبكة العلاقات فيه، لما استطاعت أن تقنع الجمهور بتناقضاتها وتكسب تعاطفه وتثير اهتمامه بوصفها بطل الحكاية ونقطة الارتكاز فيها.

%d8%b4%d8%ba%d9%81-%d9%87%d9%88%d8%a7-%d8%a3%d8%b5%d9%81%d8%b1-6

جسدت شخصية “شغف حاتم” في “هوا أصفر” النجمة سلاف فواخرجي، وفي كل مشهد لها في المسلسل بدت الفنانة السورية كما لو أنها في حلبة صراع، وقد أدركت وزن شخصيتها التمثيلية، وما تنطوي عليه من سحر درامي وخلود في الذاكرة، فدخلت تحد تجسيدها، وجعلها تبدو أفضل مما هي عليه، جذابة ومثيرة للاهتمام.

شاركها على الشبكات الاجتماعية

اقرأ أيضا : مقالات مشابهة

التعليقات

Leave a comment Html not supported