“ترجمان” الأشواق”…إيجاز سينمائي يغرق في ثوب التلفزيون الفضفاض

التفاصيل

أولئك الذين نجحوا في العبور بالسينما بكامل طاقتها إلى الدراما التلفزيونية، بلاشك لم يعبروها نحو دراما مكونة من ثلاثين حلقة، ففيها لا تفقد الصورة السينمائية شيئاً من سيادتها وحسب، بل وتفقد رشاقتها أيضاً، وبالانتقال من “اللقطة” بوصفها وحدة البناء الأساسية للفيلم إلى “المشهد” وحدة البناء في المسلسل التلفزيوني، لابد أن تخضع بنية النص السينمائي إلى ما يشبه الزلزال الذي يقوض فيها الكثير قبل أن يصير النص تلفزيونياً في حكاية تروى في ثلاثين حلقة.

من هنا تبدأ مشكلة مسلسل “ترجمان الأشواق” الذي جاء بحكاية سينمائية جذابة، ليلبسها ثوباً فضفاضاً من الوقت، فأصابها بالوهن وببطء في سرد الأحداث. وزاد من أزمته تلك الجراحة القسرية الذي تعرض لها العمل من الجهات الرقابية بمؤازرة من شركته المنتجة، على نحو أثقل على إيقاع العمل وترك فراغات في السيناريو.؟!

%d8%aa%d8%b1%d8%ac%d9%85%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b4%d9%88%d8%a7%d9%82-6

قُدمت حكاية “ترجمان الأشواق” ببنية مغلقة، إذ شكل بحث نجيب (عباس النوري)  عن ابنته آنا المفقودة، حدث المسلسل الرئيسي الوحيد، وارتبطت به على نحو مباشر عدة حبكات ثانوية، في مقدمتها تلك المتعلقة بصديقه “كمال” اليساري الذي لم يزل يعش على أمجاد ماضيه، ولم ينتبه أن العالم يمضي حوله ويبتعد عنه، فيما يغرق هو بحياة عبثية تحفل بالتناقض، وثالثهما الدكتور زهير جرّاح الأعصاب الشهير الذي تراجع عن معتقداته اليسارية  ليبلس عباءة الدين، ويكون وسيطا  فيما يعرف بـ” المصالحات”، وهو المصطلح الذي درج تسميته على عملية المفاوضات التي تجريها الدولة السورية مع مسلحي المناطق الخارجة عن سيطرتها.

غير أن شخصيتي كمال والدكتور زهير على هذا النحو لم يظهر منهما بشكل عام إلا تلك العناوين العريضة، وبالتالي لم نعرف عنهما الكثير سوى صفات شخصيتهما وأبعادهما الاجتماعية والنفسية. من دون الخوض في التفاصيل، فظل الاثنان مرتبطين بالحدث الرئيسي، وظل تركيز حكاية “ترجمان الأشواق” بكليتها على نسج حبكة الحدث الرئيسي المتعلقة بنجيب، والمحافظة على تطويرها، الأمر الذي أسهم في جعل أحداث العمل تمضي بإيقاع بطيء.

%d8%aa%d8%b1%d8%ac%d9%85%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b4%d9%88%d8%a7%d9%82-8

بالتأكيد ليست المشكلة هنا بالبنية المغلقة على حكاية نجيب الباحث عن ابنته المفقودة، وإنما بالإيجاز فيها المضبوط بإيقاع سينمائي ، وقد كان من المفترض أن يعاد ضبطه بما يتناسب  وشرط العرض التلفزيوني كيلا تضيع جماليات ذلك الإيجاز وقوة الإيحاء فيه وسط ثوب الوقت الفضفاض، فإن كانت “كل قصة تحمل معها تقنيتها الخاصة” كما يقول غابرييل غارسيا ماركيز ، فمن المؤكد أن التقنية ذاتها تتغير باختلاف وسيط العرض، ليس بالشكل التنظيري وإنما بالتطبيق العملي، أي أن الايجاز مطلوب في المسلسل التلفزيوني ، كما هو الحال في السينما، بكل ما فيه من اختصار وتكثيف وسرعة، ولكن أن تمارس تلك العملية لحكاية في مساحة عرض نادراً ما تتجاوز الـ “120” دقيقة ، تختلف تماماً أن تمارسها مع الحكاية نفسها وبالأسلوب ذاته في مساحة عرض  قد تتجاوز الـ “1200” دقيقة .

ربما كان التركيز على الحدث الرئيسي في بنية الحكاية المغلقة يتطلب الذهاب إلى تفاصيل أكثر في شبكة العلاقات التي تجمع نجيب مع العالم من حوله، إضافة إلى إعادة تنظيم شكلها الدرامي ضمن شرط بنية الحكاية المغلقة، بما يبقي على توازنها وجمالياتها ويسهم، بالوقت ذاته، في حيوية الإيقاع وملء فراغات السيناريو.

%d8%aa%d8%b1%d8%ac%d9%85%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b4%d9%88%d8%a7%d9%821

وكان من الممكن أيضاً لتحقيق الهدف ذاته، اعتماد بنية مفتوحة للحكاية، بتطوير بنى الحبكات الفرعية، والإبقاء على علاقتها الرئيسة بحبكة الحدث الرئيسي في الوقت نفسه.. ومن تلك الحبكات الذهاب أكثر في تفاصيل إشكالية علاقة العيش على الماضي التي يعيشها كمال وصراع الرجل مع حياة مرّ قطارها وتعداها بشكل صار يصعب عليه استيعاب الجديد، واستكشاف أسباب التحول النوعي الذي طرأ على الدكتور زهير وجعله ينتقل من ضفة “اليسار” إلى ضفة التدين والانغماس في عوالم الصوفية، إضافة إلى نسج حبكة أوسع لشخصية وصال مما ظهرت عليه، ولاسيما لجهة علاقتها مع زوجها كمال، وصديقيه نجيب وزهير، إذ من الواضح أن بينهما وبينها تاريخ مشترك لم ندركه.

وربما تعود تلك التفاصيل لتظهر في الحلقات المقبلة، ولكنها تأخرت بطبيعة الحال، فقد كان شأن وجودها في الحلقات الأولى خلق ديناميكية في تتالي الأحداث وشغل فراغات الرتابة في حكاية “ترجمان الأشواق” ومنحها حيوية أكبر.

%d8%aa%d8%b1%d8%ac%d9%85%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b4%d9%88%d8%a7%d9%82-7

تنطوي دراما “ترجمان الأشواق” على كم من المشاهد المنفردة الفريدة والعميقة والكثير من الحوارات الموحية والمؤثرة، إلا أن وجود تلك المشاهد الفريدة وسط مشاهد تزيينية أحيانا كان استنزافاً لشحنتها العاطفية، ولعل الوصول إلى تلك المشاهد المؤثرة في بنية حكاية مغلقة موسعة، أو بنية مفتوحة، كما نقترح، كان من شأنه أن يجعلها بمنتهى الجاذبية.

بكل الأحوال الحديث عن بطء في سرد أحداث العمل والخيارات المتعلقة ببنية حكايته، لا يقلل من مستوى مسلسل “ترجمان الأِشواق” و لا القيمة الفكري والجمالية فيه، وبطبيعة الحال لا يقلل من جهد صانعيه الكاتب بشار عباس والمخرج محمد عبد العزيز أيضاً، ولاسيما أننا نتلمس تطور علاقتهما السنيمائية مع الوسيط التلفزيوني وحكاية الثلاثين حلقة، من خلال مسلسلهما الثاني (صانع الأحلام)، الذي يعرض في رمضان الحالي وكان نفذ بعد أكثر من عام من إنتاج مسلسل “ترجمان الأِشواق”.

#نشرت في “العين الإخبارية” 2019/5/17

شاركها على الشبكات الاجتماعية
التعليقات

Leave a comment Html not supported