“نص يوم” في قفص الاتهام… المحاكمة قبل الحكم !

ينتهي، نظرياً، اتهام صانعي مسلسل “نص يوم” بالسرقة الفنية عند حدود بعينها، هي إغفالهم أسماء الأعمال الفنية التي تم إعداد مسلسلهم عنها، فشارة العمل بدت واضحة، إذ أسقطت صفة التأليف عن أسرة العمل، واكتفت بالإشارة إلى إعداد تم عن عدة قصص أجنبية لم تذكرها.

حيث ينتهي الاتهام تبدأ بالضرورة المحاكمة: هذا الذي نراه في مسلسل “نص يوم” هل هو تعريب للأصل الأجنبي على صعيد اللغة والجو العام، أم هو صياغة درامية جديدة لفكرة ذلك الأصل الرئيسية أو لحبكة قصته،تتضمن مواقف ورؤى جديدة.. أم أنه  سرقة فنية ؟

تقرير ذلك يتطلب بالضرورة تحليلاً نقدياً عميقاً يتجاوز الاكتفاء بالإِشارة إلى أسماء الأعمال الأجنبية التي استند عليها صناع  مسلسل “نص يوم”، إلى تشريح لبنيتها الدرامية، وعقد مقارنة بينها وبين المسلسل، على صعيد حبكة القصص، والشخصيات، والأفكار.. وصولاً إلى الوضعية المشهدية، والبحث في مدى جدة معالجة “نص يوم”  الدرامية التلفزيونية للأصل/الأصول السينمائية الأجنبية والنظرة المختلفة فيه… على أن يتم ذلك على نحو أعمق من أن نكتفي بتشابه الفكرة لنصدر حكماً بالسرقة، فالفكرة جزء من عناصر التاليف الدرامي لا كله، وأعمق بالمقابل من القول مثلا أن العصفور في فيلم’Original Sin’ يصير كلباً في مسلسل “نص يوم” أو أن بطل الفيلم يتعرف على البطلة المحتالة بوصفها مرشحة للزواج به، لا فتاة تبناها والده وترك لها مالاً، كما هي الحكاية في المسلسل… لندلل على صياغة درامية جديدة ومبتكرة قدمها “نص يوم” للفكرة الماخوذة من الأصل الأجنبي.

بكل الأحوال الحكم النهائي وفق هذه الصورة المطلوبة يتطلب بالضرورة انتهاء حلقات العمل، وعقد مقارنة تحليلية لاحقاً بينها وبين الأفلام التي استند/ أخذ/ سرق… منها، على نحو يتجاوز الانطباعات، ويكفي أن نؤكد ذلك بالإشارة إلى حادثة مشابهة عن الباحث المختص بأعمال شكسبير السير براين فيكرز الذي كان توصل إلى نتيجة مفادها أن مسرحية “إدوار الثالث” هي نتاج تعاون كتابي بين شكسبير وثوماس كيد، ولكنه لم يعتمد فقط على النتيجة التي قدمها برنامج كومبيوتري يعرف باسم    (Plagiarism – Detection Software) جرى تصميمه لتعقب أي سرقات في الكتابة، لتقرير ذلك الحكم، وإنما استند إلى خبرته في الأدب الشكسبيري على مدار أربعين عاماً، لتحليل ما خلص إليه هذا الجهاز، ليصدر حكمه العلمي الدقيق بأن ثوماس كيد كتب نحو 60% من المسرحية فيما قام شكسبير بكتابة الـ 40% الأخرى.

بالعموم استندت معظم أعمال “بان آراب” مؤخراً، ومثلها العديد من أفلام الشباب المصرية، إلى أصول سينمائية أجنبية، وبخلاف النظر عن مستوى التجربة وجدل الشكل والمضمون الذي تثيره، يبدو تناسل أعمال “بان آراب” تعبيراً عن حاجة تسويقية متزايدة لأعمال بمواصفات بعينها حددتها بالغالب حالة الوله بالدراما التركية/ موضة هذه الأيام، وهو الأمر الذي يبرر، تجارياً لا إبداعياً، تهافت أعمال”بان آراب” ومنها بطبيعة الحال “نص يوم” للاعتماد على أصول سينمائية أجنبية، وهو المنطق ذاته الذي ذهب إليه الدراسون في معرض تفسيرهم لسبب تعاون كاتب معروف مثل شكسبير، مع كاتب آخر في تأليف مسرحيته، فقط كتبت المسرحية في وقت كانت فيه مسارح لندن تتنافس على اجتذاب الجمهور بإنتاج المسرحيات بسرعة كبيرة، الأمر الذي اضطرها “استخدام مجموعات من الكتّاب لتأليف مسرحية واحدة في غضون أسابيع لأسباب تتعلق بحالة السوق” على حد تعبير الزميل شاكر النوري في صحيفة البيان الإماراتية. وهو المناخ ذاته الذي يبرر بالغالب قيام شكسبير بكتابة مسرحيته “تاجر البندقية” بين عامي 1596- 1597، بالاستناد إلى نص كريستوفر مارلو المسرحي يهودي مالطا الذي كتبه في العام1590، وتقديمها بقالب درامي آخر.

اليوم وُضع مسلسل”نص يوم” وصانعيه في قفص اتهام السرقة الفنية… ولسنا هنا بمعرض الدفاع عنه أو الانضمام إلى من أدعى عليه، وإنما نحن ندعو لمحاكمته قبل إصدار الحكم، وفي ذلك يكمن المنهج العلمي والعقلي للنقد.

شاركها على الشبكات الاجتماعية

اقرأ أيضا : مقالات مشابهة

التعليقات

Leave a comment Html not supported