استجابات عاطفية فريدة ..نجحت في إثارة عواطفنا وحساسيتنا الفطرية لحقيقتها

جرجس “الأب” وحلا “الأبنة”… واللقطة القريبة التي ورّطتنا في الخوف على “مراد”

التفاصيل

كيف يمكن للصورة أن تلتقط بوحاً صادقاً وحاراً لابنة وحيدة وسط حضن أب حنون يحتضر ويخفي ذلك، مثل ذلك البوح الذي جاء في واحد من مشاهد الحلقة الخامسة والعشرين من مسلسل “مسافة أمان”…؟

كيف يمكن نقل كامل الشحنة الانفعالية في هذا المشهد، ورصد ارتعاش الجسد فيه.. وتجسيد فيض الألم في الوجوه…؟

كيف لا نهدر الطاقة العالية من الخوف والحب في كلمات الابنة “نور” وهي بين يدي أب تراه “الحقيقة الوحيدة في حياتها والأمان الذي يدوم ولا يتغير”…؟ وكيف للأب “مراد” أن يكبت كل مافيه، قبل أن يعود ليفشي مافيه بلحظة هاربة من عيني أبنته.

ذلك البوح بكل ما فيه، كان يتطلب بالضرورة إحساساً إخراجياً بالمشهد، وصدقاً في التجسيد التمثيلي، ليكون لديه القدرة على إثارة عواطفنا وحساسيتنا الفطرية لحقيقته.

%d8%b1%d8%a6%d9%8a%d8%b3%d9%8a%d8%a9

يبدي المخرج الليث حجو إحساساً بالمشهد من خلال التصميم الشكلي له واختيار “اللقطة القريبة” لتكون الاساس في هذا التصميم،إذ يجمع من خلالها وجهي “نور” (حلا رجب) و”مراد” (جرجس جبارة) لرصد تفاصيل ما يقارب ثلاث دقائق وعشر ثواني من المشهد الذي امتد نحو  ثلاث دقائق و33 ثانية، مع تقطيع بسيط على وجه الأب “مراد”.

وباختيار هذه الحجم للقطة، نجح الليث حجو بإقحامنا في الفضاء الحميمي للشخصيتين، إيصال كل مافي المشهد من شحنة عاطفية مليئة بالمعنى، ورصد التفاصيل الصغيرة فيه، وتركيز انتباهنا على كل مافية من سرد، وبذلك استطاع إيجاد رابط عاطفي عفوي غير مصطنع بين المشاهدين وشخصيتي “نور” و”مراد” في كل لقطة تفاعلية بينهما، و إظهار كل ابسط تفاصيل العاطفة في وجههما ابتداء من بريق العينين وارتعاشات الوجنيتن.

على هذا النحو يدفعنا الليث حجو للانغماس أكثر في جوهر العلاقة بين الأب  مراد وابنته نور، عبر خلق صورة واقعية وجذابة وأكثر تعبيراً عن حميمية العلاقة بينهما.

%d8%ac%d8%b1%d8%ac%d8%b31

كل ما هذا المشهد من شحنة عاطفية، ومهما نجح الأسلوب الإخراجي في ضبطها بالصورة، لا قيمة له مالم يستطع الممثلين تقديم أداء تمثيلي يحقق استجابة كبيرة دقيقة مليئة بالمعنى، وانطلاقاً من هذه المهمة الموكلة للممثلين، نكاد نعتقد أن هذا المشهد بالذات، كان الأساس في اختيار الفنانين “جرجس جبارة” و”حلا رجب” لتجسيد شخصيتي “مراد” و”نور” ، وربما كانت إمكانيات هذين الممثلين هو ما دفع الليث حجو للمضي، بثقة وأمان، في تبني حجم اللقطة القريبة والمضي في التصميم الشكلي لهذا المشهد.

يجيد الفنانان “جرجس جبارة” و”حلا رجب” لغة الاستجابات العاطفية… مع جرجس جبارة نتلمس بسهولة كيف هي استجاباته العاطفية غريزية، فيما تتكئ حلا رجب لتحقيق الدرجة ذاتها من الاستجابة على “لو” السحرية… ماذا لو كانت بالفعل هذه الفتاة المأزومة بهاجس فقد والدها…وفي الحالتين ينجح الاثنان في توليد مشاعر حقيقية واستدراجنا إلى تصديق أنهما “مراد” ونور”.. لا “جرجس ” و”حلا”، وبالتالي تصديق حزنهما وخوفهما.

%d8%ac%d9%84%d8%a71

أكثر ما يتطلبه المشهد هو ضبط ردود الأفعال وترتيبها والتلوين فيها على نحو متناقض، كأن ترسم حلا رجب ابتسامة على وجهها تستبق فيض الدموع، وإن يكبت جرجس جبارة وجعه من كلامه ابنته، قبل أن يفشي ماهو مكبوت بالدموع.

الاستجابات العاطفية الفريدة للفنانين جرجس جبارة وحلا رجب، جعلت من هذا المشهد، بوزن مسلسل كامل عن علاقة الابنة بأبيها، ومن بعده بالغالب سيكون خسارة “نور” لأبيها “مراد” بمثابة فاجعة لمشاهدي المسلسل بأكملهم، لا للصبية وحدها، بعد أن تورطوا بالعاطفة ذاتها التي تجمع الاثنين…لا أعرف ان كان المسلسل سينتهي بموت “مراد” ولكن بلاشك، لن يكون موته، إن حصل، حدثاً عابراً، عند المشاهدين.

 

الوسوم
شاركها على الشبكات الاجتماعية

اقرأ أيضا : مقالات مشابهة

التعليقات

Leave a comment Html not supported