ألفة في الحكاية وتناغم مقنع بين مجتمعي الحكاية في سورية ولبنان

إيقاع الفكرة والفكرة المضادة… والتناغم المضبوط في “هوا أصفر”

التفاصيل

يخلق التضاد والتشابه والتقاطع ما بين مجتمعي حكاية “هوا اصفر” في سورية ولبنان ألفة في الحكاية وتناغماً مقنعاً للأحداث، افتقدناه في كثير من الأعمال الدرامية التي اجتمع فيها ممثلون سوريون ولبنانيون، إذ لطالما اضطرت هذه الأخيرة إلى لي عنق الحكاية والمبالغة بسوق افتراضات، منها ما يستخف بعقولنا، فقط لتبرير جمع ممثل سوري وآخر لبناني في عائلة واحدة.

نجاح “هوا أصفر” في تجاوز مطب هذه الصيغة الإنتاجية ما بين السوريين واللبنانيين، كان نتيجة لاعتماد كاتبي المسلسل علي وجيه ويامن الحجلي صيغة “التوازي” في النسق البنائي لحكايته، حيث قدما أحداث المسلسل في أكثر من محور ، على نحو تتعاصر فيه زمنياً، وتختلف في المكان، ما بين سورية ولبنان، على أن تعود لتلتقي في عملية اندماج عضوي وطبيعي، نتيجة لسببية الأحداث في حبكة الحكاية أو المصادفات الدرامية فيها.

ووفق هذه النسق البنائي، استطاع “هوا اصفر” أن يميّز نفسه وسط العديد من المسلسلات التي تستقطب فنانين سوريين ولبنانين، ونجح في تقديم صيغة عربية مشتركة، أكثر إقناعاً وتناغماً من سواه.

%d8%b4%d8%ba%d9%81-%d9%87%d9%88%d8%a7-%d8%a3%d8%b5%d9%81%d8%b11

و رغم التوزان الحكائي بين شطري حكاية المسلسل في سورية ولبنان، إلا أن الحدث السوري فيها ظل يأخذنا إلى مستوى أعمق من الطرح وأهم، وذلك أمر طبيعي بالنظر إلى أن القصص تنمو مما هو موجود في محيطنا المجتمعي وتاريخه ومعارفنا عنه وتجاربنا الخاصة فيه، وبالتالي من البديهي أن تعبّر تلك القصص عن فكر كاتبي المسلسل السوريين ومعلوماتهما عن هذا المحيط وناسه.

يبدي الكاتبان علي وجيه ويامن الحجلي ذكاءً في اختيار أحداث مسلسلهم العديدة، ولاسيما تلك التي تتعلق بالفساد المجتمعي والاقتصادي، فيما يظهر عمق تناولها لما يعرفانه جيداً في محيطهما، من خلال حالة التكثيف لأحداث مسلسلهما في شطر حكايته السوري واللجوء إلى الرمزية فيه من دون أن يثقلا على ديناميكية الحكاية ولعبة التشويق البسيط المتأتية من صراع عصابات الآثار والمخدرات في المسلسل.

%d9%87%d9%88%d8%a7-%d8%a7%d8%b5%d9%81%d8%b1-%d9%8a%d8%a7%d9%85%d9%86

 

ولعل أبلغ ما في أسلوب كاتبي “هوا أصفر” ضمن الشطر السوري من حكايتهم، كان في حالة  الإيقاع ذي المعنى الرمزي، الناتج من وضع فكرة أمام فكرة مضادة، مثل ذلك الإيقاع الرمزي الحاصل نتيجة التضاد في مشهدين متعاقبين من الحلقة 27، إذ  يحرق المهندس سوار، في المشهد الأول، مخططات مشروعه السكني- الحلم بعد أن تملكه الأٍسى و اليأس من ظهوره للنور وحالت أطماع “أبو يعرب” ومن يقف خلفه بالمشروع دون تنفيذه، وبينما تتطاير الشرارة من الورق المحروق في نهاية هذا المشهد، يقف أبو يعرب، في المشهد التالي، ليفرغ جوفه أمام “مبولة” في تواليت مطعم فخم، بعد أن أحبط ولادة المشروع، وأكبر هم عنده  في هذه اللحظة هو تحمل آلام البحصة التي تجرح جهازه البولي، ذات البحصة التي سيحمل هم آلامها أكثر من قيامه بالتعاون مع أمير بدفن النفايات الطبية في أرض بلاده.

وعبر هذين المشهدين ستظهر رمزية عالية في حالة التقابل بين حالتي وجع؛ وجع سوار المثكول بانهيار أحلامه أمام عينيه دون أن يستطيع أن يفعل لها شيئاً، ووجع أبو يعرب من بحصة تجرح مجرى البول في جسده.

%d9%87%d9%88%d8%a7-%d8%a3%d8%b5%d9%81%d8%b1-%d9%88%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%b4%d8%b1%d9%81-%d9%88%d8%ac%d9%85%d8%a7%d9%84-%d9%82%d9%8a%d8%b4

حالة التكثيف الفريد والرمزية ستظهر أيضاً في تحولات شخصية “أمير” والتي تكشف بمجملها عن آلية صناعة الوحش البشري، كما ستظهر في حادثة موت د. كمال، الذي آثر تعريض نفسه لخطر الموت على تفويت مشاهدة واحدة من مباريات بايرين ميونخ والغياب عن رابطة الفريق لتشجيع لاعبيه…حادثة موت تحيلنا إلى كتب التراث عن أولئك الذين قتلتهم خياراتهم في العشق وسواه، وتلقي ظلالها المعاصرة ثقيلة على خيارات “سوار” سواء عند مواجهة خصومه، أو في خياره الانسحاب منها.

مقابل هذا التكثيف الناجح و الترميز الذكي في هذا السياق للشخصيات وأفعالها، سيبدو نافراً تنميط الشخصية الوصولية للصحفي “أدهم” والتي زاد من مأزقها أداء الفنان رامز الأسود، الذي عاد ليكرر نفسه ويستنسخ الأداء ذاته الذي قدمه لشخصية مشابهة في مسلسل “نساء من هذا الزمن” ، بما فيه المقترح الشكلي للشخصيتين وملابسهما، على نحو بدا من الصعب التميز بين شخصيتيه في المسلسلين.

%d9%87%d9%88%d8%a7-%d8%a7%d8%b5%d9%81%d8%b1-%d8%b1%d8%a7%d9%85%d8%b2-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d9%88%d8%af

بالعموم جاء خط الأحداث في الشطر اللبناني من هوا أصفر” مضبوطاً على صعيد الصراع الصاعد ولعبة التشويق ، لكن عمق الطرج في الشطر السوري من الحكاية ظل الأكثر تأثيراً، وفيه تكمن خصوصية المسلسل الأكبر.

 

الوسوم
شاركها على الشبكات الاجتماعية

اقرأ أيضا : مقالات مشابهة

التعليقات

Leave a comment Html not supported