نجح في محاكاة شخصية "عزمي" والتوحد مع روحها

“أنس طيارة” المحسوس بين عمالقة التمثيل… المؤثر وسط “الذئاب” عندما تشيخ

التفاصيل

تبلغ مهارات الممثل أنس طيارة التمثيلية وإمكانياته الإبداعية، أخيراً،  سن الرشد،  إذ يتحرر الممثل الشاب من مساحة الظهور في أعماله، ليصنع حضوره الخاص في مسلسل “عندما تشيخ الذئاب” (الكاتب حازم سليمان، المخرج عامر فهد) ، عبر منهجية واضحة في الأداء وتكتيك بناء شخصيته “عزمي” من الداخل إلى الخارج.

تعامل الممثل مع “عزمي” ليس بالمهمة اليسيرة، إذ  تحفل شخصيته بالتناقضات التي تتكون وتتراكم داخله كجزء من ردود أفعاله على صدمات متتالية أصابته من أقرب الناس إليه… هكذا يجد المحامي الشاب نفسه يخوض صراعاً مركباً على ثلاثة من المستويات، الأول داخلي ينبع من طبيعته (الجوانية)، والثاني عبارة عن صراع شخصي ينبع من علاقته مع محيطه الأساسي وبالتحديد مثلث عائلته المتناقض بالسلوك وبالفعل والغايات (الأم الجليلة-  الأب رباح- الخال جبران)، وفي المستوى الثالث ستتسع دائرة الصراعات الشخصية التي يخوضها “عزمي” مع تعدد منابع الخصومة في حياته، سواء مع  خوضه في صراع درامي مع أفراد جدد غي حياته الشخصية (الشيخ عبد الجليل- سندس…) أو مع مؤسسات المجتمع والسياسة والدين التي شكلت رؤوس المثلث الأكبر التي تدور حياته في فلكها .

تفاعل “عزمي” مع مستويات الصراع الثلاثة، جعلت من شخصيته متغيرة الأحوال، مفاجأة بتحولاتها، على نحو  لا يمكن التكهن بتبدلاتها وتصرفاتها، وهي بطبيعة البناء الحكائي في مسلسل “عندما تشيخ الذئاب” شخصية فاعلة بمحيطها ومحط اهتمام من حولها،…وهذه الصفات بمجموعها تشكل الملامح الأساسية المميزة  للشخصية الدرامية المركبة المعقدة، والتي بلاشك تعرّف عليها أنس طيارة على صفوف الدراسة في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق ومختبراته العملية، وبالتالي  يدرك أنس  أن عملية تجسيدها الإبداعي تتطلب أدوات ومهارات خاصة، أساسها  القدرة على الخلق والإبداع، والتي تظهر من خلال قراءته الدراماتورجية لدوره، بالإضافة إلى  كاريزما حضوره.

%d8%a7%d9%86%d8%b3-%d8%b7%d9%8a%d8%a7%d8%b1%d8%a9

القدرة على الخلق والإبداع وكاريزما حضور… مهارتان تعدان جزءاً من مجموعة صفات لابد أن تتوافر في الممثل الجيد، أما كيف عكس أنس طيارة امتلاكه لهما وقدرته على توظيفهما في  علاقته مع الشخصية، وعلاقة الشخصية مع الشخصيات الأخرى، وعلاقة الشخصية مع المشاهد، فيمكن تلمس ذلك من خلال قدرته على أن يكون محسوساً بين الممثلين الاخرين، وتكون شخصية “عزمي” مؤثرة  في سكونها وحركتها، في كلامها وصمتها.

بالطبع ذلك الحضور المؤثر والمحسوس لأنس الممثل، ولشخصيته “عزمي” هو نتيجة لتفاعله الخلّاق شبكة درامية معقدة يعمل معها مؤلفة من نص الكاتب ورؤية المخرج ومن يقف خلفه من فنيين إضافة إلى التأثير المتبادل مع الممثلين الذين يقف إلى جانبهم، ولكن إبداع أنس طيارة الشخصي، كممثل، وممارسته الذاتية، ستبقى الأساس في إيصال “عزمي” إلى المشاهد، إذ يفترض به أن يُظهر ما يكمن خلف النص المكتوب (السيناريو) وما هو خلف النص المرئي (الإخراج وفريقه)، إضافة إلى نصه الخاص الذي يعكس فهمه لدوره وطبيعة شخصيته.

%d8%a3%d9%86%d8%b3

لذلك لم يكن أداء أنس طيارة لشخصية عزمي “برًانياً”، يقف أمام الكاميرا ليردد كلمات حفظها من حواره وينفذ تعليمات المخرج، وإنما كان يقوم بمحاكاة شخصية “عزمي” والتوحد مع روحها، انطلاقاً من وعيه للشخصية، وذلك ظهر بأفضل أحواله في مشاهد “عزمي” الصامتة،  فلم يكن فهم الممثل الشاب لصمت (عزمي) بأنه مجرد إطباق للفم وعدم الكلام، وأن غضبه مجرد فتح عينيه على اتساعهما والتحديق بمن يقف أمامه، وأن سكون جسده الاحتجاجي مجرد تجميد لأطرافه و أن الحزن مجرد اختناق في الكلام وارتعاش عضلة في الوجه وأن الصراخ مجرد ارتفاع بالصوت، وإنما كان أنس طيارة يقوم بإدارة جسده في إطار عملية إبداعية متكاملة من شأنها  نقل الشحنة الانفعالية المطلوبة إلى المشاهد بوضوح وبدقة، لذلك كان صمت حزنه على وفاة “الجليلة”، لا يشبه صمت احتجاجه على زواج أبيه “رباح” من “سندس” عشية وفاة الجليلة، ولا يشبه بطبيعة الحال صمت غضبه من خاله “جبران”، أو صمته المتربص للشيخ “عبد الجليل”…. وفي كل مرة كانت إدارة الجسد الواعية التي قام بها “أنس” لتجسيد هذا الفعل الصامت  لا تعني تحريك عضلات وجهه وجسده على نحو مؤثر، وإنما اللعب بتلك العضلات على طريقة قائد الأوركسترا الذي يستطيع بحركة يده السريعة الواعية، إدارة العشرات من عازفي الآلات الموسيقية الإيقاعية والوترية وآلات نفخ و مفاتيح، لتحقيق ترتيب واع من النغمات الموسيقية في الجملة اللحنية الواحدة، على نحو تُدرك كنسيج واحد منسجم، وتحقق مع كل تغيير في حركات يده تأثيراً وإحساساً مختلفاً.

60117048_2401894830057882_352281236321861632_n 201921914139626636861816996269402

وسواء في الفعل الصامت أو في حواراته… سيظل ما حققه أنس طيارة مع “عزمي” في مسلسل ” عندما تشيخ الذئاب” تعبيراً عن موهبة واعدة لا تحتاج إلا لأرضية خصبة على صعيد النص والإخراج لتبرز من خلالها، على أن الأساس سيبقى في الاستعداد النفسي والإبداعي للممثل الشاب، وليس أدل على أصالة النزوع  الإبداعي المتكامل للفنان أنس طيارة في أداء شخصية “عزمي” وإداراتها في جميع تحولاتها، أكثر من حفاظه على وهج الحضور  ذاته عند مشاهدي العمل على مدار حلقات المسلسل كلها،  رغم أنه في معظم مشاهده وقف إلى جانب ممثلين من أصحاب الحضور الطاغي الذين عادة ما يستحوذون بأدائهم على مساحة الاهتمام الجماهيري والفني الأساسية في كل مشهد يقدمونه، مثل الفنانة سمر سامي، و الفنانين سلوم حداد، وعابد فهد …إضافة إلى الفنان- الخبرة علي كريم الذي بدا في أفضل أحواله في هذا المسلسل.

شاركها على الشبكات الاجتماعية

اقرأ أيضا : مقالات مشابهة

التعليقات

Leave a comment Html not supported