“عندما تشيخ الذئاب”…صراع المصالح الشخصية وضياع الوطن

التفاصيل

عندما تشيخ الذئاب وتترك الصراع، ليرث دورها فيه من دربته ليخلفها، بعد أن تكون فعلت ما فعلته… ذلك محور الحكاية الذي تدور حوله أحداث مسلسل “عندما تشيخ الذئاب” المأخوذ عن رواية تحمل العنوان نفسه للكاتب الأردني جمال ناجي.

وبالرغم من أن أحداث الرواية تدور وسط أحد الاحياء الفقيرة في ضواحي مدينه عمان، إلا أن كاتب حوار و سيناريو المسلسل حازم سليمان، قام بتغيير بيئتها المكانية لتدور في تسعينيات القرن الفائت، وسط حي دمشقي فقير اسماه حي الشياح نسبه الى  أحد وجهاء الحي الذي كان تاجراً غنياً  قبل أن يفلس ويموت فقيراً، تاركا ابنته “الجليلة” (سمر سامي) التي ما زالت تصر على التصرف بوصفها سليلة العز و الغنى، إلى جانب أخيها جبران “عابد فهد” اليساري القديم الذي يعيش فشل وهزيمة كل ما ناضل من اجله من مبادئ، ويشي مرغماً برفاق دربه القدامى لينجو بنفسه من السجن بعد أن أيقن أنهم خسروا جميعا معركتهم للوصول الى السلطة و تعميم فكرهم العلماني اليساري، معترفاً بالمقابل بتغلب التيار الديني و ممثله الشيخ عبد الجليل “سلوم حداد” عليهم، بعد أن  نجح هذا الأخير  بالسيطرة على سكان حي الشياح الفقراء، بمظهره الديني الورع و حلقات الذكر الدينية، وبما يقدمه لهم من أموال تبرعات يجمعها من المحسنين، فضلاً عن خدمات المداواة بالطب الشعبي المجانية.

66

سرعان ما يتحالف رجل الأمن العميد أبو سامر (بشار إسماعيل) ممثل السلطة السياسية التي تحكم البلد مع الشيخ عبد الجليل، لاستثمار سلطة رجال الدين وتأثيرهم على الناس، وضبط هؤلاء في الوقت ذاته.

بيد أن الأمور لا تجري وفق ما خُطط له من تحالف السلطة مع رجال الدين، إذ سرعان ما يشق عزمي (أنس طيارة) ابن الجليلة، عصا الطاعة على الشيخ عبد الجليل الذي رباه وسلمه زمام جمع التبرعات، ولكن عزمي ما أن نجح  في جمع التبرعات من متبرعين في الداخل و الخارج، وكسب ثقة المتبرعين والفقراء على حد سواء، قام بتشكيل خلايا مسلحه تابعة له من سكان العشوائيات بوصف أن تلك الخلايا عامل الأمان لهؤلاء.

هكذا يدور الصراع بين هذه الذئاب…تفرقهم الأهداف، وتجمعهم رغباتهم في إرضاء شهواتهم في المال والنساء والسلطة، وتحقيق مكاسب شخصية كل بطريقته، ولعل أدق توصيف لهؤلاء وموجز حالهم كان في شارة المسلسل الرائعة، والتي تقول كلماتها:

منذ البداية يكذبون، حتى النهاية يكذبون

كل الرجال، كل النساء، من أجل جاه ينحنون

أشكالهم ملاك، أرواحهم هلاك

عن الفضيلة يتحدثون، وفي الندالة يضربون

يتحدثون عن الأمانة ويسرقون

والعدل يسأل أنا من أكون.

201921914139626636861816996269402

تدفع أحداث المسلسل الذئاب إلى مواجهة جديدة، لتقرأ التجربة، انطلاقاً من سؤال “جبران” الاستنكاري، هل أراد ممثلو التيار الديني فعلا أن تصل الامور الى التطرف الديني المسلح، يخاطب جبران الشيخ عبد الجليل: “مؤسسات تحفيظ القرآن، شركات مقاولات تبني جوامع، خطب وتطرف… عزمي يحقق أحلامك يا شيخ عبد الجليل”.

فيجيبه عبد الجليل على طريقة الهجوم أفضل وسيلة للدفاع، فيقول: “نحن فقط عملنا ما بوسعنا لخدمه الناس. أنتم العلمانيون مثقفو اليسار لم تفعلوا شيئا للناس سوى خذلان من آمن بمبادئكم، لم تقدموا ثقافة لم تبنوا مسارح ولا فنون راقيه”.

هل كان هذا الحوار بين يساري وإسلامي بمثابة مراجعة للذات ونقد للتجربة، أم دعوة للمعتدلين، ألا يتركوا الساحة لأصحاب المصالح المغلفة بالشعارات الرنانة. وألا يستسلموا. وألا يتركوا من يشاركونهم الآراء والمبادئ من دون أن يفعلوا شيئاً من أجلهم. ومن دون ان يقدموا لهم بديلاً يتمثل بثقافة انفتاح وممارسات عملية تقدمية وفنون راقيه ليقابلوا ما قدمه دعاه الفكر الظلامي المقابل.

54435067_582820438864458_2353335378888359936_o

ينتهي المسلسل باستقالة جبران من منصب الوزير الذي باع من أجله كل رفاقه ومبادئه، في بادرة امل توحي بصحوته و لو متأخرة، فيما يغادر عبد الجليل الى الجزائر بعد فشله في الحصول على سندس الجميلة التي اخذت عقله، لكنه يترك خلفه تابعه المتشدد عرفان ليخلفه و عزمي المتطرف متزعم الخلايا المسلحة… لتخلص أحداث المسلسل نهايات مفتوحة، وان كنا كمشاهدين نعرف ما آل اليه هذا الصراع في واقع الحال. وهو ما يجعلني أتمنى أن يكون للمسلسل جزء ثاني يصور ذروة الصراع في العقد الذي تلا التسعينيات، والذي أوصل سورية الى ما وصلت إليه في العام ٢٠١١.

يشكل المسلسل نموذجاً لتحويل الرواية إلى سيناريو فني، ولعلها من المرات القليلة التي يتفوق فيها مسلسل على الرواية المأخوذ عنها بالرغم من جمال هذه الأخيرة. اذ برع حازم سليمان كاتب السيناريو في تحويل رواية مكثفة الى عمل تلفزيوني متقن فيه الكثير من الابعاد الدرامية والإنسانية.

77أما على صعيد الرؤية الإخراجية فقد نجح المخرج عامر فهد في تقديم عمل متماسك عميق وممتع ببطولة جماعيه ادى فيها كل الممثلين أدوراهم ببراعة و نجح كل منهم في تقديم واحد من أجمل ادواره، من دون أن يستأثر أي منهم بدور البطولة فكانوا معا أبطالاً جميعا مع المخرج الذي احسن اختيارهم و إدارتهم.

شاركها على الشبكات الاجتماعية

اقرأ أيضا : مقالات مشابهة

التعليقات

Leave a comment Html not supported