على مذهب “ستانسلافسكي”.. سلافة معمار تورطنا بـ “سلام”

التفاصيل

يتأرجح الفعل الدرامي لشخصية ” د. سلام” في مسلسل “مسافة أمان”، ما بين الخوف والخذلان وردود أفعالها تجاههما، وهو الأمر الذي قد يجد فيه ممثلو المظهر الخارجي للشخصية ما يغريهم، إذ يعتمد هؤلاء عادة النسق التقني في الأداء التمثيلي، فيقومون بالإعداد لشخصياتهم  بالاستناد إلى ما سبق وقدمه ممثلون آخرون من نماذج استحوذت على انتباه الجمهور ومشاعرهم، ولكننا مع “سلام” نحن أمام شخصية تمثيلية تفعل لا تتكلم، تمتلك خصوصيتها التي تستوجب التعامل معها على نحو خاص، لا على أساس الاقتداء والنمذجة، و بالتالي هي تتطلب الذهاب  إلى ميدان اللعب التمثيلي الذي تحبه الفنانة سلافة معمار، وسبق تعلمت فك أسراره وفق تعاليم المعلم ستانسلافسكي.

الاشتغال على الدور من الداخل الى الخارج والتركيز على أفكار الشخصية ومشاعرها، هو الحامل الرئيسي الذي اعتمدته سلافة معمار لإيصال شخصيتها “سلام” إلى المُشاهد وفهم ردود أفعالها، وهو الاساس الذي يمكننا الاستناد إليه لفهم سيكولوجية أدائها لهذه الشخصية منذ مشاهدها الأولى.

%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%81%d8%a9-%d9%85%d8%b9%d9%85%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b3%d8%a7%d9%81%d8%a9-%d8%a3%d9%85%d8%a7%d9%861

“الذاكرة الانفعالية” بدت وسيلة الفنانة معمار الأولى في تجسيد شخصية “د. سلام”، إذ تتقاطع الممثلة وشخصيتها عند نقطة الوجع السوري، وكلاهما اختبرتا على نحو العام ظروف حياة مماثلة خلال السنوات الأخيرة، وبالتالي قامت نجمة “زمن العار” بإعادة إنتاج انفعالاتها الشخصية بما يخدم شخصيتها الدرامية في “مسافة أمان”، وتكييفها بما يتناسب مع الدور.

هنا نحن لسنا أمام حالة استنساخ للانفعالات الشخصية للفنانة معمار بثوب “د . سلام” وإنما أمام توظيف خبرتها بتلك الانفعالات لإنتاج انفعالات جديدة خاصة بـ” سلام”  اعتماداً على وسيلة ثانية هي “لو” السحرية… ماذا لو كانت مكان “سلام” في مواجهة كل خياراتها الصعبة، ابتداء من خيار المفاضلة بين موت زوجها أو موت كثيرين آخرين مكانه، وكيف يمكن أن تتعامل مع حالة الخذلان وخيبة سلام من الآخرين…ابتداء من خذلان أصابعها التي أصابها الارتعاش وهي الطبيبة الجرّاحة، مروراً بزوجها الذي اكتشفت أنه يخون شرف مهنته ويخدعها، وانتهاء بالشاب الذي أمنت بقربه وأمّنته على حالها وعلى ولدها.

%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%81%d8%a9-%d9%85%d8%b9%d9%85%d8%a7%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%b3%d8%a7%d9%81%d8%a9-%d8%a3%d9%85%d8%a7%d9%86

الوصول إلى الإجابات الصحيحة لأسئلة ” لو” السحرية والقبض على الانفعال المناسب هي سمة الممثل الموهوب والمحترف، والفارق بين الممثل الجيد والممثل المبدع اللذين يجيدان التعامل مع هذه الـ”لو” هو درجة الصدق الفني في أداء كل منهما، إذا يقدم الفنان المبدع أداء واقعياً وعلى نحو حقيقي يترك شعوراً عند المشاهدين بأنه طبيعي، وبالتالي يترك تأثيره الكبير في نفوسهم ويكسب تعاطفهم مع الشخصية بالشكل الذي يتحاوز التعاطف والاهتمام اللحظي التي غالباً ما يُحدثه محبو النمذجة في تجسيد الشخصيات.

تتمركز سلافة معمار حول ذات ” سلام” لا حول ذاتها الشخصية، وبالتالي هي تعيش سلاماً، ولا تقدمها للناس كما وصف النص المكتوب حالها، فنجد سلافة تتحكم بمشاعر سلام وتتدرج بانفعالاتها بالشكل الحقيقي، وصولاً إلى درجة الانفعال المطلوبة التي يحددها المخرج وقبله النص المكتوب.

6

تُعيّشنا سلافة معمار، باشتغالها على شخصيتها من الداخل إلى الخارج، صراع الافكار والمشاعر التي خاضتها سلام، فكنا نصل معها إلى درجة الحزن المطلوبة، على سبيل المثال، التي عادة ما يقدمها أولئك الذي يشتغلون على الشخصية من الخارج والداخل دفعة واحدة.. وبينما يثير هؤلاء تعاطفنا اللحظي مع حزن شخصياتهم، كانت سلافة معمار تورطنا بحزن (سلام) كما لو أنه حزننا الشخصي.

ومع تقلبات مشاعر “سلام” وانفعالاتها وردود أفعالها، كانت سلافة معمار تورطنا بشخصية “سلام” أكثر، وتُعمّق إحساسنا بحقيقتها في حياتنا أكثر، فلا تثير اهتمامنا بها فقط، وإنما تُخلّدها في ذاكرتنا.

شاركها على الشبكات الاجتماعية

اقرأ أيضا : مقالات مشابهة

التعليقات

Leave a comment Html not supported