مابعد “موت الناقد”.. النقد في زمن الجمهور

التفاصيل

فقه العلاقة مع الجمهور، من المهمات الصعبة والإشكالية التي تواجه العملية النقدية اليوم، إذ تتطلب بالضرورة، أولاً، اقتناع الناقد بجدوى الالتفات إلى صوت الجمهور والإصغاء إليه وتحليل اتجاهاته، ففي ذلك المدخل ليعود النقد ذو المعايير الثابتة، إلى دائرة التأثير في وسط متغير أحياناً على نحو دراماتيكي… ونجاح هذه المهمة سيكون بمقدار ما يستطيع الناقد التخلي عن دور المعلم – الوصي على الجمهور، لمصلحة دور جديد هو الخبير- المستشار له.
انتقال الناقد من مرتبة الوصي إلى مرتبة المستشار، يعني توظيف خبرته المفترضة في خدمة ذائقة الجمهور، بما يمنح هذا الأخير قدرة أكبر على الاختيار، بدلاً من أن يقوم الناقد بالاختيار عنه، أما التخلي عن دور المعلم إلى الخبير، فذلك أمر تمليه طبيعة الفن نفسه، وما يطرأ على سيكولوجية المشاهد من تغيّرات.

فإذا كان المشاهد يفضل من الأعمال الدرامية ما يتوافق مع رغباته ومشاعره ودوافعه، فإن اضطلاع الناقد بدوره الجديد كمستشار له، من شأنه أن يمنح هذا المشاهد منظومة معايير، تشبه على نحو ما «الأنا الأعلى» التي تحدث عنها فرويد، والتي يمثلها «الضمير» وتتألف من منظومة معايير أخلاقية.

بلاشك لن يحمل المشاهد في رأسه القواعد المعيارية للنقد ليطبقها على خياراته الفنية، وسيبقى العمل الفني الأفضل للجمهور هو ذلك الذي يوفر مساحة إشباع لرغباته ومشاعره ودوافعه، كما أسلفنا, ولكنه سيضيف إلى تلك الثلاثية هذه المرة، معرفته, وسيكون حبه لهذا العمل الفني أو لأي من نجومه حباً بعينين مفتوحتين على اتساعهما.. لا حباً أعمى.

على هذا النحو يتحدد موقع الناقد اليوم ما بين العمل الفني والمشاهدين، وما عدا ذلك فهو وهم يتملك الناقد، فقد ولّى الزمن الذي كان فيه الناقد يدفع الجمهور لمشاهدة عمل بعينه، كما يقول (رونان ماكدونالد) في كتابه «موت الناقد».. وقد وفرت وسائل التواصل الاجتماعي منصات رأي نقدية للجميع، وبرغم أنه تعيب الكثير منها فوضى الرأي، بجهلها وجاهليتها، لكن فيها أيضاً ما ينافس أكثر الآراء النقدية اتزاناً ومعرفة, وتستحق أن يكون الناقد في خدمتها لا على قطيعة معها.

#نشرت في “تشرين” 29-07-2019

الوسوم
شاركها على الشبكات الاجتماعية
التعليقات

Leave a comment Html not supported