رجاء مخلوف

مرحلة أنتجت مثل هذا الحصاد.. لا يمكن أن تكون بملابس زاهية بالمطلق

التفاصيل

يبنى الفضاء البصري في المسلسل التلفزيوني، كتركيب جمالي ودلالي يتضافر في تشكيله التكوين والميزانكادر والسينوغرافيا بما يخدم وظيفة هذا الفضاء الأساسية بصفته واحداً من وسائل التعبير في الدراما التلفزيونية، ورغم أن لكل من عناصر السينوغرافيا، ومن بينها الأزياء (موضوع مقالتنا)، دوره الجمالي وإمكانياته التعبيرية، إلا أن إدراك أهميتها يتراجع من مسلسل إلى آخر، فالقيمة التعبيرية للملابس، تبدو أكثر وضوحاً في المسلسلات التاريخية عما هي في المسلسلات المعاصرة، لدرجة أن كثيراً من ممثلي المسلسلات المعاصرة اعتادوا أن يؤدوا أدوارهم بملابسهم الشخصية.. إذ يتراجع فهم الدور الذي تؤديه ليقتصر على وظيفتها في التعبير عن المرحلة الزمنية لأحداث المسلسل، والحالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لأبطاله، وبدرجة أقل تحليل علاقتها مع بقية عناصر السينوغرافيا في المسلسل التلفزيوني، وقلما يتم الاشتغال على مدلولاتها النفسية ودورها في عكس رؤية صانعي العمل الجمالية والفكرية ولاسيما الرمزية منها…كما فعلت مصممة الأزياء رجاء مخلوف في مسلسل “الندم” للكاتب حسن سامي يوسف والمخرج الليث حجو.

تدرك رجاء الدور الكامل لمهنتها كمصممة للأزياء في الدراما التلفزيونية، كما تبدي وعياً بجماليات العمل الدرامي ومستوياته الظاهرة والمستترة، فتشتغل على دلالات الأزياء الزمنية والاجتماعية والاقتصادية وسواها في الشكل، وتترك في هذا الشكل ما يعكس رؤية صانعي العمل من حيث المضمون.

في مقالة سابقة كنا تحدثنا عن زمنين للحكاية في مسلسل “الندم” الأول يعود للعام 2003 ويتضمن ذكريات لزمن أبعد بكثير، والزمن الثاني هو العام 2016، وقد اختار المخرج حجو الفصل بينهما اعتماداً على القيم اللونية وما فيها من مخزون تعبيري، فاختار لون الطبيعة والأشياء كما تراها العين، للتعبير عن الزمن الأول، فيما رسم مشاهد الزمن الثاني بألوان أقرب للابيض والاسود وتدرجهما اللوني، بكل مدلولاتهم التعبيرية…وتلك القيم اللونية بدت الأساس في اختيارات رجاء مخلوف للملابس في هذين الزمنين، كجزء من مهمتها في عملية التركيب الجمالية والدلالية للفضاء البصري في المسلسل، وصولاً لأفضل صورة ممكنة تناسب الزمنيين وتحترم رؤية المخرج لهما،فاختارت للزمن الأول لملابسها ألواناً مثل السماوي والخمري، والبني، والابيض الممزوج بألوان حارة، فيما كان اللونان الأبيض والأسود هما الغالبان في الزمن الثاني، يضاف إليها لون الرمادي والألوان القاتمة عموماً.

تلك الخيارات قد تكون طبيعية من حيث المبدأ الذي اعتمده الإخراج وتفاعل رجاء مخلوف معه، إلا أن هذا التفاعل سيبدو أعمق مما نراه ظاهرياً، إذ تقدم الأزياء مقترحها الدرامي للمرحلة أيضاً، وتحديداً في الزمن الأول، فالعمل لم يكف عل لسان بطله “عروة” يردد أننا نحصد الآن ما كنا زرعناه في الزمن الفائت، وهو ما التقطته بالفعل رجاء مخلوف، فلم تنجر تماماً وراء لعبة الألوان التي كانت تزهو بها الحياة في الزمن الأول، وإنما أدركت أن مرحلة انتجت مثل هذا الحصاد لا يمكن أن تكون زاهية بالمطلق، لذلك لم تستبعد الألوان الداكنة من وسط الألوان الزاهية التي اختارتها لملابس الزمن الأول، فحضر اللونان الأسود والرمادي، ولأن الحياة في هذا الزمن لم تكن شراً أو خيراً بالمطلق، حرصت على أن يلازم هذين اللونين، ألوان حارة مثل القرميدي وأخرى زاهية مثل السماوي والنيلي والأخضر.

تلك الخيارات كان من الممكن أن تثير انتباهنا فيما لو مرت في مسلسل تاريخي،أما وقد مرت في مسلسل اجتماعي معاصر، فذلك أمر يستحق التقدير، ولاسيما في عام من الإنتاج الدرامي، وسم بأنه عام الخيبة.

شاركها على الشبكات الاجتماعية

اقرأ أيضا : مقالات مشابهة

التعليقات

Leave a comment Html not supported