سلاف فواخرجي.. الحياة بوصفها أسلوباً للأداء

يبقى الاجتهاد سر نجومية سلاف فواخرجي… تتعامل النجمة الشابة، بالغالب، مع أدوارها وفق الحكمة القديمة ” قلب دافئ وعقل بارد”، فتقدم على التمثيل بشغف محب الذي يعمر القلب الدافئ، وتديره بتركيز عالٍ يتولى مهمته العقل، أما  حالها مع شخصياتها التمثيلية فهو حال أحد الصوفيين بقوله: ” لا تصدق المحبة بين اثنين حتى يقول أحدهما للأخر يا أنا”..وهو الشيء ذاته الذي تفعله سلاف حين تتوحد مع شخصياتها التمثيلة، وتخرج علينا بالشكل الذي ندركه وقت العرض.

لا أساليب فنية بالمعنى الأكاديمي، يخضع لها أداء سلاف فواخرجي التمثيلي، بقدر ما يخضع لمهارات حياتية باتت مع تتالي تجاربها الفنية أسلوب عمل تعول عليه- بعد أن عززته بقواعد العمل الفنية المعتادة- في بث إحساس صادق وحار في شخصياتها ، وتوليد مجموعة من الاستجابات التي ربما تبدو جذورها بسيطة، ترتبط بحالة ذهنية معينة، إلا أنها تخرج بالغالب بنتائج قوية، شكلت بمجملها سر نجومية سلاف فواخرجي.

تلك الأساليب لا تعلن عن نفسها صراحة، كما لم تتحدث عنها الفنانة فواخرجي قط، وإن كان من الممكن بسهولة أن نتلمس ملامحها كاملة في ظلال شخصياتها التمثيلية فضلاً عن تصريحاتها الفنية.

“الإيمان” هو أحد أساليب الحياتية التي تعتمدها سلاف فواخرجي في تعاملها مع شخصياتها الفنية؛ الإيمان بالشخصية التي تؤديها، والإيمان بقدرتها على النجاح في تأديتها.

الإيمان بالشخصية، ينبع من الذكاء في اختيارها وفي اختلافها وفي غنى تفاصيلها الحياتية وأحاسيسها، ذلك كله من شأنه أن يحعلها تتوحد مع الشخصية، حتى لو لم تكن تشبهها، لكنها في العمق، ستكتشف سراً يجعلها ترتبط بها، تُسأل عن شخصيتها “نيسان” في “رسائل الحب والحرب” فتقول: “هي الأقرب إلى روحي..كونها تنطوي على كل ما هو إنساني وعميق.. فهي تمتلك شيئاً روحاني عال، ولاسيما لجهة ارتباطها بالشام، وهي مزيج من الأحاسيس المشاعر، فيها الطفولة، الأنوثة الشديدة، المرأة الناضجة..وفي كل لحظة من حياتها هي ملكة هذه اللحظة..”..وعن شخصيتها “أسمهان” تقول: ” أحببت شخصية أسمهان بناء على إحساس ويقين، لم أتقمص الشخصية وانما توحدت معها اثناء التصوير.. كنت أفكر كيف سأقدمها وأعطيها وكان عندي إيمان شديد بالنص وأحببته ومشيت فيه ..”.

في كل مرة، ستتعامل سلاف فواخرجي على النحو ذاته مع شخصياتها التمثيلية، فتبنش فيها ما يجعلها تتوحد معها، وتخاطبها بالطريقة الصوفية ذاتها: “يا أنا”، قبل أن تعطيها من روحها ما يكفي لنحبها.

أما إيمان سلاف فواخرجي بقدرتها على النجاح في تأدية شخصية معينة، فلا تعول على المصادفة في تحقيقه، وإنما تستند إلى المهارات التي اكتسبتها عبر عملها الفني الطويل، فضلاً عن خبراتها الحياتية، وتساند ذلك كله بإيمانها بتلك الشخصية..وعلى هذا النحو تقترب سلاف من شخصياتها التمثيلة بثقة كبيرة.

تلك الثقة غالباً ما كانت ستصيب صاحبها بشيء من الغرور، وربما بحالة من عدم الاكتراث، وربما تدخله في حالة من النمطية والاستسهال، إلا أن الفنانة فواخرجي حفظت على ما يبدو نفسها من ذلك المصير، بقصد أو من دون قصد، وذلك  عبر إحساسها بما تسميه “القلق الصحي” الذي يترك في داخلها ما يشبه الأحساس بالمسؤولية تجاه ما قدمته، ويدفعها لتقدم الأفضل، وقد سُألت في أحد المرات، عما  تتقاطع به مع الفنانة أسمهان، فقالت أنه “الوسواس الايجابي بقصر الوقت” وما يجب عليها تقديمه خلال هذا الوقت بالصورة الأفضل.

الإيمان بما تقدم، والقلق الصحي تجاهه، غالباً ما يترافق وأسلوب حياتي ثالث هو “الإخلاص”، وذلك الأسلوب بالمختصر يعني أن تعطي الشخصية ما تستحقه إلى آخر مدى، هذا ما يمكن فهمه في الأثر الذي تركته شخصيات تمثيلية حلت عبرها سلاف كضيفة شرف ضمن أسرة العمل الدرامي، والذي يعادل الأُثر ذاته الذي تتركه أدوارها الرئيسية، ومثال ذلك شخصيتها في المسلسل التلفزيوني “أحلام كبيرة”، وشخصيتها في الفيلم السوري “نسيم الروح”.

تمرست سلاف فواخرجي على الإخلاص لشخصياتها، لذلك تبدو في كل مرة تقف فيها أمام عدسة الكاميرا تشعر كما لو انها تقف للمرة الأولى.. وعن تلك اللحظة تقول “أفكر ماذا أعمل ويدور في ذهني نفس المونولوج”..أنه مونولوج الوقت الضيق ذاته: كيف أكون أفضل…أما نحن فيصلنا الجهد الذي بذلته سلاف في تأدية أدوارها حد التعب..ألم يتبعنا حزن لمى في “بانتظار الياسمين”..؟

الأساليب الحياتية/ الفنية السابقة، بقدر ما منحت سلاف فواخرجي الدافع لتحفظ نجوميتها، منحتها القدرة على النهوض من كبوات الفارس، فليس كل ما قدمته سلاف كان ناجحاً بمقياس ما أنجزته في كثير من محطات تجربتها الفنية، ولكنها في كل مرة امتلكت القدرة على النهوض مجدداً لتقدم الأفضل الذي يجبُّ ما قبله.

شاركها على الشبكات الاجتماعية

اقرأ أيضا : مقالات مشابهة

التعليقات

Leave a comment Html not supported