هاني أبو أسعد.. انتصار المبدأ والمعرفة في أقصى الغرب

التفاصيل

لم يكن عرض الرّابعة والنّصف بتوقيت السّاحل الغربي الأميركيّ في منطقة بيفرلي هيلز مكتظّاً بجمهور يليق بسمعة مخرج مرشّح لمرّتين عن جائزتي أوسكار لأفضل مخرج، الجنّة الآن (٢٠٠٦) وعمر (٢٠١٣)، وبالذّات إن كان مخرج العمل نفسه سيطلّ على الحاضرين بعد انتهاء العرض ضمن فعاليّة سؤال وجواب بملحق البرنامج. بالرّغم من ذلك، هاني حصد انتصاراً معنويّاً ورمزيّاً من ذلك العرض، والأهمّ من ذلك أنّه منح انتصاراً لجمهوره بشكل عام، انتصار المعرفة لجمهور أميركيّ لا يعرف الكثير خارج الفقاعة الإعلاميّة الأميركيّة عمّا يحدث في الجانب الآخر من العالم، وما يكون الجانب الآخر من العالم أساساً…وانتصار بشكل خاصّ ليّ، خصّني به دون بقيّة الحاضرين، وهو انتصار المبدأ ورجل السّينما الّذي يفتدي مبادئه.

لقراءة المزيد من موضوعات “نقاد دراما”: http://drama-critics.com/emagazine/

لقراءة المزيد من موضوعات “نقاد دراما”: http://drama-critics.com/emagazine/

التّحذيرات والمخاوف الّتي نسمعها عادة عن خنوع الفنّان العربيّ أو الشّرق أوسطي ليشقّ طريقه بمجال الفنّ في الغرب، هي ليست إلّا أساطير بالنّسبة لأبي أسعد، الّذي قرّر أن يضرب بها عرض الحائط. البعض يجادل بأنّ هذا السّينمائي الفلسطيني حظي بترشيحي أوسكار فيما سبق لأنّه تطرّق لجوانب عدّة من الخلاف الفلسطيني/الفلسطيني بأسلوب لم يخل من السّخرية. لكنّ ألا يجدر بهذا الفريق من النّقاد والمتابعين بأنّ يدرسوا حالة مشابهة أميركيّة مثل كوانتين ترانتينو؟ فالآخر أيضاً يشير إلى الجراح المتقيّحة في مجتمعه بأسلوب الكوميديا السّوداء، والّذي يعدّ واحداً من أكثر الألوان السّينمائيّة عرضة للفشل، لما يحمله من تناقض يحتاج لمخرج فذّ ليبقيه في حالة الطّوفان على السّطح، ويحول دون غرق الفيلم بإشكال التّطرق لقضايا كبيرة بنفسٍ ساخر. مسلسلي الّتغريبة الفلسطينيّة وعائد إلى حيفا على سبيل المثال تداول بموضوع الخلاف الفلسطيني/الفلسطينيّ؟ فهل الاعتراض على العنصر الكوميدي إذاً؟ إن كان الأمر كذلك، فقد اقتصد أبو أسعد في عنصر التراجيديا السّاخرة الّتي لطالما احترف اللّعب عليها في فيلمه الأخير “يا طير الطّاير” أو كما يعرف بالإنكليزيّة ب “The Idol”.

يقسّم هاني فيلمه الّذي يتحدّث عن نشأة ورحلة نجم برنامج “محبوب العرب” محمّد عسّاف إلى ثلاثة فصول واضحة: أوّلها يفنّد طفولة محمّد عسّاف وولعه المبكّر في الموسيقى منذ سنواته المبكّرة، مع مجموعة من أصدقائه الّذين شاركوه الحلم، بأنّ يأسّسوا لفرقة موسيقيّة شبابيّة في غزّة المحاصرة. صعوبات كثيرة تواجه مسيرهم، من نقص المال والموارد إلى سخرية بعض الأهالي ورفضهم للحالة الّتي رمزت لها فرقة عسّاف، لكنّ أكبرها وأصعبها كانت وفاة أخته الّتي شكّلت المحرّض والدّافع الأوّل لمحمّد كي يواصل مشواره. الفصل الثّاني هو عسّاف الشّاب المتخبّط بين فجوات الماضي من فشل الفرقة وموت أخته، وثقل الحاضر الّذي ترمز له غزّة المدمّرة بعد حرب عدوان ٢٠٠٨. أصدقاء عسّاف من فرقته السّابقة في حالة تخبّط مشابهة، فمنهم من اختار مجالاً ومشى على درب بعيد عن حلمه الأوّل، ومنهم من التحق بتنظيم حماس الّذي دفع بغزّة إلى مزيد من الانغلاق والتّصدع الدّاخلي. يرى محمّد في برنامج محبوب العرب مخرجاً من هذه الفوضى ومخلّفاتها المؤلمة، فيمرّ بمرحلة شديدة الخطورة كيّ يخرج بشكل غير نظاميّ من غزّة إلى مصر عبر معبر رفح. الفصل الثّالث اعتمد على مشوار محمّد بين مصر ولبنان، والمسؤوليّة الّتي وجدها على عاتقه مع تقدّمه في التّصفيات، والأمل الّذي بثّه في الشّعب الفلسطيني المنهك مع ظهوره وتبلور نجوميّته شيئاً فشيء…ليختتم الفيلم طبعاً بفوز عسّاف، وما قدّمه بذلك الفوز من خيوط ضمّدت شيئاً بسيطاً من جراح ورضوض الفلسطينيّين.

0027

أطلّ أبو أسعد المخرج والكاتب مع زوجته أميرة دياب الّتي كانت على رأس الطّاقم الإنتاجيّ للفيلم الّذي تمّ تصويره بين مناطق مختلفة من فلسطين…معظمها في مدينة جنين، إضافة لأقسام تمّ تصويرها في مصر. تحدّث الشّريكان عن الصّعوبات الّتي واجهتهما في إنتاج فيلم كهذا تحت جملة من الظّروف الصّعبة، كتصاريح من السّلطات الإسرائيليّة، الشّرط الإنتاجيّ والزّمني الضّيق، والتْعامل مع فريق من الممثّلين الأطفال الّذين تصدروا الحضور في النّصف الأوّل من الفيلم…أطفال أعادهم أبو أسعد إلى أجواء الحرب الّتي قاسوا منها فعلاً فيما مضى، فاستنبط منهم أداء لافتاً، أقلّ ما يقال فيه أنّه شديد الصّدق والعفويّة.

وكما هي العادة في معظم أفلام هاني عندما يتعلّق الأمر بالتّمويل، فهو يلجاً إلى عدّة جهات تكون في أغلبها صناديق دعم لأفلام من بلدان أوروبّا الغربية. لكنّ الجدير بالذكر أنّ شبكة mbc كانت شريكة في الإنتاج هذه المرّة، كون أنّ الفيلم يعيد برنامج محبوب العرب لذاكرة متابعيه، ويعرّف الجمهور الغربي به أيضاً.

وابل من الأسئلة تلقّاه الاثنان بعيد كلمتهما وتعريفهما بما كان خلف كواليس الفيلم. العرب من الجمهور لم يكثروا من الأسئلة، الأقليّات الأمريكيّة الحاضرة هي الّتي سألت أبو أسعد بشغف وتقصّي، لما قدّمه من رؤية عميقة ومغايرة عن شعوبنا ممّا يراه جمهور أميركا المحليّ على شاشات التّلفزة. سيّدة أميركيّة في الصّف الأماميّ مع حفيدها تدين باليهوديّة، صرّحت لأبي أسعد بتفصيل خارج عن سياق الفيلم والسّؤال ككلّ، لتقول: “لا أعرف مدى مصداقيّة الفيلم…فأنا على سبيل المثال أحبّ إسرائيل”. لكنّ هاني لم ينقصه من الدّبلوماسية كي يردّ بكلّ ثقة وبرود أعصاب بجواب يشبه إلى حدّ كبير تصريح المرشّح الرّئاسيّ من الحزب الدّيموقراطيّ سابقاً، يرني ساندرز: “جيّد…لكي إن كنت كذلك، فيجب أن تكوني من الدّعاة لمعاملة الفلسطيّنيّين بشيء من الكرامة والإحترام”. انتظرت بدوري بقيّة الجمهور كي ينتهوا من أسئلتهم، والّتي دارت أيضاً في بحر المشاكل التّقنية والفنيّة الّتي واجهت المخرج، بالإضافة لدوافع عاطفيّة تربطه بالعمل ومشاريع مستقبليّة تلوح في الأفق القريب. توجّهت إلى هاني بسؤالين في النّهاية: لما التّركيز الدّائم على الشّرخ الفلسطيني/الفلسطيني؟ وما صحّة التّخويف الّذي يتجرّعه الفنان العربي قبل أن يحاول شقّ طريقه في هوليوود، بأن يبقى في حالة خنوع ويغنّي على مواويل لا تزعج آذان القائمين على صناعة السّينما وماكينات الإعلام الأميركيّة؟ فكان جوابه على الأوّل بأنّ فلسطينيّي الدّاخل أكثر إحاطة بالشّرح الفلسطينيّ/الفلسطينيّ من نظرائهم في الشّتات والمهجر، وبأنّ البيت المنقسم في الدّاخل لا يصمد أمام رياح الخارج العاتية. وبالنسّبة للسؤال الثّاني، فلم ينكر المخرج والسّيناريست الفلسطيني وجود صحّة لهذه المخاوف، فهو على حدّ تعبيره دفع ثمناً لتجاوزها، واعتبر أنّ الأمر في جوهره تلبية لنداء الضّمير الّذي يجب أن يبقى متيقّظاِ في كيان كلّ فنان حقيقيّ منسجماً مع ذاته.

أبو أسعد اليوم يدور الكوكب بعروض خاصّة ضمن أو خارج فعاليّات المهرجانات العالميّة ليعرض فيلم “يا طير الطّاير”، وهو أيضاً بصدد تحضير فيلمه المقبل في أميركا “The Mountain Between Us” مع نخبة من نجوم الصّف الأوّل في هوليوود، مثل إدريس آلبا وكيت وينسلت. وهذا ما يعيدني إلى النّقطة الأهمّ، صدق الّرؤية والصّوت لمخرج شجاع وصادق ستوصله إلى أعالي القمم…بغضْ النّظر عن المنزعجين أو الرّاضيين عن خطابه وتوجّهه.

شاركها على الشبكات الاجتماعية

اقرأ أيضا : مقالات مشابهة

التعليقات

Leave a comment Html not supported