التلفزيون..قصة حب غير معلن

التفاصيل

سر حملته منذ سنوات واعتقدت بأنني وعلى الأقل وبمناسبة اليوم العالمي للتلفزيون وانصافاً للتلفزيون الذي رافقني دوماً ولسنوات طويلة سأبوح به: منذ طفولتي وحتى كتابة هذه السطور كانت قصة حبي للتلفزيون غير معلنة، فلطالما ترافق حبي له برفض من المحيط جعلها قصة حب سرية لا يمكن البوح بها ، ففي الطفولة كان التلفزيون ورغم برامجه التعليمية المهمة جداً مثل افتح يا سمسم وسنان الذي يرى أحد الزملاء أن أغنيته ( ما أحلى أن وعيش في خير وسلام … ما أحلى أن نعيش في بيت واحد) يجب أن تكون نشيداً وطنياً ، رغم كل هذا كان التلفزيون بنظر الكبار وسيلة مضرة تؤذي العيون والعقول. إضافة لأنهم كانوا يَرَوْن فيه السبب الرئيسي للكسل وعدم الدراسة، لقد كان التلفزيون عدو الأهل والمدرسة والجميع ما عدا الأطفال. كبرت الطفلة لتصبح مراهقة ترفض نظريات الأهل او بالأحرى ترفض كل ما يقوله الكبار ولكن المجتمع ظل يرفض التلفزيون ويتابعه ، بدأت القنوات اللبنانية بما تحمله من انفتاح تجتاح المنازل وتلام بتهمة ( نزع الجيل وتفتيحه) وكلما كان الإنتقاد يزيد كانت الأنتينات الهوائية ( المخصصة لإلتقاط هذه المحطات ) تجتاح سطوح منازلنا أكثر.

مجلة نقاد دراما- العدد الثاني- http://drama-critics.com/emagazine/

مجلة نقاد دراما- العدد الثاني- http://drama-critics.com/emagazine/

كبرت المراهقة وأصبحت صبية مهووسة رومانسية، وأنوثة لا تتخلى عنها بسهولة. لم تجد تلك الفتاة صورة رومانسية او أي صورة مشرقة لفتاة مهووسة بالتلفزيون فكل القصص والصور الرومانسية تصور الفتاة الجميلة الحالمة أمام شاشة السينما أو بيدها كتاب وبساط ملون وسلة ورد في حديقة ما على الطريقة الفرنسية، على عكس هذه الصور الجميلة كانت صورمحبي التلفزيون تزداد قتامة وكانت دوماً مرتبطة بالكسل واللامبالاة والطيش. في الجامعة تعرفت على أكبر انتقاد للتلفزيون في تاريخ حياتي وربما حياته رغم أن الجامعة كانت كلية الإعلام ومن المفترض أن تدرس بجزء كبير منها الإعلام التلفزيوني كمهنة وفن واحتراف. ولكن ما حدث كان أن هناك كم كبير من النقد للتلفزيون كوسيلة إعلامية تصوره على أنه الشيطان الأكبر فأكثر حلقات البحث تداولاً كانت تلك التي تنال من التلفزيون وتفسر وتبين وتحلل نتائجه السلبية على الطفل، والصورة السلبية للمرأة في التلفزيون ، الآثار السلبية للتلفزيون على القيم الإجتماعية، التسطيح ، التعرض لساعات طويلة لشاشة التلفزيون وأثره على الدماغ، أثر التلفزيون على تراجع السينما والصحافة المكتوبة ….. الخ وغيرها الكثير الكثير من العناوين لحلقات بحث كلما شتم مضمونها التلفزيون كلما حصل الباحث على علامات أكثر ، مراجع البحث وكثير من الكتب والمحاضرات حملت المضمون ذاته المضطهد للتلفزيون. لم يكن الحال في المعهد العالي للفنون المسرحية أفضل بكثير من حيث النظرة الإضطهادية للتلفزيون ، والحق يقال بأن مناهجه لم تتضمن ما يمس التلفزيون أو أي موضوع بشكل غير علمي أومحايد ، ولكن اجتماعياً وعلى مستوى الطلاب والأساتذة كان ينظر للتلفزيون بإنتاجه والعاملين فيه نظرة دونية كونه وسيلة تسطيح وتتفيه بعكس المسرح أمجد الفنون وأرقاها . وكلما أراد الطالب هناك أن يثبت أنه طالباً مميزاً وعميق التفكير كلما كان عليه أن ينظر بدونية أكبر إلى التلفزيون الذي سيحتوي بعد أعوام قليلة معظم خريجي المسرح ومنتقدي التلفزيون ليجذبهم كمغناطيس قوي للعمل فيه. دارت الأيام ولم أستطع البوح بأني أحب التلفزيون وأتابع معظم مسلسلاته وبرامجه ونتاجاته الفنية بما فيها الفيديو كليب ، وبصراحة ( ولا تخبروا أحد : استمتع بها هششششش) دارت الأيام ويبدو أن الحب السري يتفاعل بقوة أكبر وبدل أن يذهب للعلن يذهب للأعماق لذلك عملت بالتلفزيون واكتشفت المزيد من أسراره والتي هي أسرار حبي له ومكنونات هذه الوسيلة ولم هي مؤثرة. أما أنا الزوجة والأم فلطالما أحببت التلفزيون ووجدته وسيلة لاجتماع العائلة بعكس الانترنت الذي يعزل كل واحد منا خلف جهازه . أتيت إلى أميركا وواحدة من الأشياء التي تعلمتها هنا هي أن تعبر عن رأيك بحرية وإن كان الآخرين مختلفون معك ، فما تراه وتشعر به أنت هو الصح لأنك أنت تراه كذلك هذه هي العقلية الأميركية فليس هناك في هذه الثقافة محاكمة على أساس صح وخطأ فلا وجود للخطأ إن كنت تراه صحيحاً ولهذا أتشجع اليوم وأقول نعم أحب التلفزيون لطالما أحببته وتابعته ومازلت أتابع برامجه ونتاجاته وأتشوق لمعرفة النهاية كشوق طفلة لاتمل ومراهقة تجيد إخفاء حبها كما أخفيته أنا.

 

شاركها على الشبكات الاجتماعية

اقرأ أيضا : مقالات مشابهة

التعليقات

Leave a comment Html not supported