“امرأة كالقمر”.. صورة لا تهدأ

التفاصيل

لا تهدأ كاميرا المخرج المثنى صبح، في محاولة سعيها لالتقاط حرارة العاطفة كما تقضيها قصة الحب بين جرير (قيس الشيخ نجيب) و زينة(سلافة معمار)؛ بطلي حكاية “امرأة كالقمر” للسيناريست ريم حنا. وفي كل مرة يبدو العاشقان وحواراتهما، حاضرين في ذهن المخرج، وهو يعمل على تشكيل “ميزانسين” المشاهد التمثيلية التي تجمعهما، من دون أن يسقط من حساباته كيف ينقل أحاسيسهما إلى المتفرج، ويدفعه إلى الانخراط في حكايتهما، وذلك عبر معالجة فكرية وجمالية للصورة.

تقديم صورة تثير استجابة المتفرج على هذا النحو، كانت تتطلب بالضرورة تجاوز تحديات تمليها طبيعة المشاهد التي جمعت جرير وزينة، معظمها لا كلها، والتي يغلب على حواراتها الاسترسال في الكلام، في وقت يغيب الصراع في الحكي، لصالح سرد شاعري، يتطلب الحفاظ عليه تقديم سرد بصري مواز بنظرة شاعرية، وضبط إيقاع المشاهد تلك على نحو يحول دون تسلل الملل إلى نفوس المتفرجين، وهو ما حرص المخرج المثنى صبح على القيام به عبر تشكيل متنوع للحركة في رسم “ميزانسين” المشهد التمثيلي وضبط العلاقة بين أحجام اللقطات وزواياها وتجزئة أفعال الممثلين وردود أفعالهم.

ورغم أن المونتاج خان المخرج صبح في ترتيب بعض اللقطات وأحدث ارتباكاً في انسيابها أحياناً في المشهد أو سبب بطئاً فيه، إلا أنه نجح في معظم الأحيان، في تقديم صورة فنية جذابة تحقق متعة المتفرج، وتحدث استجابات جمالية ووجدانية لديه.

تتعدّد زوايا تصوير المشاهد التي تجمع جرير وزينة في خماسية “امرأة كالقمر”، وتأخذ الكاميرا عدة وضعيات تبعاً لفهم المثنى صبح لفلسفة المشهد وما يريد أن يقوله، وطبيعة العلاقة التي يريدها بينه وبين المتفرج.

ويعتمد صبح تنويعاً في أحجام لقطاته، بين اللقطة العامة long shot واللقطة المتوسطة medium shot واللقطة المتوسطة القريبة medium close shot واللقطة القريبة up close في المشاهد الحوارية بين جرير وزينة، ولكنه في كل مرة يعمد إلى التركيز بشكل أساسي على واحدة منها أو اثنتين من تلك اللقطات في المشهد الواحد، تبعاً للمكان وطبيعة الشحنة العاطفية والنفسية في ذلك المشهد، فيختار أحياناً التركيز على اللقطة المتوسطة واللقطة المتوسطة القريبة بزاوية أفقية في وضعية المواجهة “full front face” حيث ينظر الممثلان، أو أحدهما على الأقل إلى العدسة مباشرة، ما يجعل المشهد أكثر حميمية مع المتفرج.

%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a9-22

والجمع بين اللقطتين سيعود في مشاهد أخرى للعاشقين جرير وزينة ولكن بزاوية أفقية أخرى، هي 3 أرباع المواجهة front3/4، وضمن الزاوية نفسها سيجمع المثنى اللقطة المتوسطة القريبة واللقطة القريبة، وفي هذين الخيارين ستنتقل كاميرا المثنى من اللقطة الموضوعية، حيث نتفرج على الشخصيات من وجهة نظر الكاميرا/ نظرنا، إلى اللقطة الذاتية حيث نرى الحدث من وجهة نظر أحدى الشخصيات في المشهد، قبل أن تعود إلى اللقطة الموضوعية، وأحياناً يعمد المخرج صبح لأخذ لقطة من فوق الكتف، أو من خلف الظهر، وفي كل مرة يبدو كما لو أنه يريد تورطينا في الحكاية ومشاركتنا تفاصيلها، فلا نكتفي بدور المتفرج عليها من بعيد، بل نقترب أكثر لنأخذ محل أحد شخصياتها وننظر بعينيها.

قلما يستخدم المخرج المثنى صبح اللقطة العامة في المشاهد التي تجمع جرير وزينة في “امرأة كالقمر”، وغالباً ما يكون استخدامها مأخوذاً بسحر المكان حول العاشقين، وما يميله ذلك من شحنة عاطفية إضافية على المشهد الذي يجمعهما. فهاجسه بالدرجة الأولى هو أن يُبرز العلاقة والمسافة الفاصلة بينهما، والتي بدت أقرب مع ارتفاع منسوب الحب المتبادل بين الاثنين، لذلك كان خيار الانتقال بين اللقطات المتوسطة والقريبة، هو الأنسب لمشاهد العاشقين.

الحركة تبدو العامل الحاسم في خيارات المثنى صبح في خماسية “امرأة كالقمر” وتكاد لا تغيب عن مشاهدها الحوارية ولاسيما تلك التي تجمع بين جرير وزينة، حيث يعتمد صبح أسلوبان للتعامل معها، فيبقي في أولهما الكادر ثابتاً في معظم وقت المشهد ويطلق لممثليه كامل الحرية بالحركة والإيماءات ضمن مساحة الكادر نفسه، وفي الأسلوب الثاني سيزاوج بين حركة الكاميرا وحركة الممثلين في كادرها، فيتحرك الممثلان، أو واحد منهما أثناء حديثهما، يقترب أحدهما تجاه الكاميرا ويبتعد عنها، أو يقف ويترك الثاني جالساً، يواجهه أو يعطيه ظهره.

في كل مرة كان المثنى صبح يسعى إلى تكوين منظور متغير يضفي حيوية على المشهد الحواري، ويعيد تشكيل مكونات كادره جمالياً، ويبقي المتفرج مشدوداً إليه، شريكاً فيه أحياناً.

شاركها على الشبكات الاجتماعية

اقرأ أيضا : مقالات مشابهة

التعليقات

Leave a comment Html not supported