أربعة مشاهد يتقاسم السيناريست والمخرج لعبة الإثارة و التشويق فيها

الليث حجو مخرجاً لـ”شكراً على النسيان”: الكاميرا كائن حي.. في المبنى والمعنى

التفاصيل

الإحساس بالمشهد والشغل عليه لقطة بلقطة ..بديا سمة غالبة في رؤية الليث حجو الإخراجية لخماسية ” شكراً على النسيان” للسيناريست إياد أبو الشامات، فيما كانت اللقطة القريبة وسيلته الأساسية لملاحقة التفاصيل وإحداث الوقع الدرامي المطلوب وإبراز الشحنة العاطفية للحكاية في تلك اللقطات، التي تنوعت بين موضوعية تأخذ فيها الكاميرا عين المشاهد، وأخرى ذاتية تتبنى فيه الكاميرا وجهة نظر أحد الممثلين.

إلا أن وجهة النظر الأبرز في اللقطات كانت تلك التي أراد منها الليث حجو الذهاب بالمتفرج إلى أبعد مما يراه، اعتماداً على الإدارة المعرفية للنص والاستخدام الفني التعبيري للكاميرا، سواء بتجزئة الفعل في المشاهد، و بناء نوع من التوتر فيها، ومنح أخرى قدرة تعبيرية وفق أشكال متعددة.

أربعة مشاهد قدمها إياد إياد أبو الشامات والليث حجو في الحلقة الأولى من خماسية “شكراً للنسيان” يصح توصيفها بالتأسيسية، إذ فتح الاثنان عبرها باب الحكاية على مصراعيها، ليضعا المشاهد في قلب الحدث، كانت خلالها الكاميرا تداعب خيال المتفرج وفضوله وتوقعاته، وسابقة لوجهة نظره أحياناً ، كما هو الحال في المشهد الذي يجمع رياض “باسم ياخور” مع سارة “جيني أسبر” أمام طاولة البلياردو، حيث تشيح الكاميرا بعين المشاهد بعيداً عنهما لتلاحق كرة البلياردو السوداء وهي تتدحرج وتسقط في الحفرة، ليبدو ذلك حلاً فنياً لتغييب ما يحدث بين الاثنين من علاقة حميمية، إلا أننا سرعان ما نكتشف أن كاميرا الليث حجو ترمي إلى ماهو أبعد من ذلك، إذ سيوحي لنا ترتيب الأحداث اللاحقة بأن سقوط الكرة السوداء ليس سوى إشارة إلى نهاية اللعبة/ بداية نهاية العلاقة الزوجية بين رياض وندى “كاريس بشار”.

%d8%b4%d9%83%d8%b1%d8%a7-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d9%8633

ولا يتأخر المشهد التأسيسي الثاني لاكتشاف ندى خيانة زوجها رياض، وهنا سيعمد المخرج الليث حجو إلى تجزئة الفعل في المشهد، بما يمنحه وقتاً أطول إلى حد يرفع درجة التوتر فيه، ويثير فضول المتفرج وتوقعاته.

يبدأ المشهد بلقطة عامة تأسيسية لوصول سيارة “ندى” إلى أمام البناء الذي تسكنه حيث يخونها زوجها مع عشيقته، وما أن تقف السيارة حتى تنتقل الكاميرا ببطء إلى لقطة قريبة لقدم ندى وهي تترجل من السيارة، ومنها مباشرة إلى لقطة قريبة لرأس ندى يطل من داخلها، وعودة إلى لقطة قريبة للقدم وانتقال أسرع للقطة قريبة للرأس، بعدها يقطع الليث حجو المشهد لأسباب درامية على لقطة لرنين هاتف رياض المحمول التحذيري.

بناء سلسلة اللقطات على هذا النحو كان من شأنه تكوين إيقاع بطيء وتأخير وقوع الحدث المتوقع، بهدف إثارة فضول المتفرج و توقعاته لما سيحدث لاحقاً حين تضبط ندى زوجها متلبساً بالخيانة.

المشهدان الثالث والرابع سيأتيان ذروة للأحداث التي سبقتهما، وسيخضعان للتكنيك الإخراجي ذاته، في تجزئة الفعل ورفع درحة التوتر، ففي الأول وهو مشهد اصطدام شاحنة بسيارة ندى، سيقوم أثره في غيبوبة، سيقوم الليث بتجزئة المشهد بين لقطات عامة وأخرى قريبة ، فيبدأ المشهد من لقطة عامة لحركة السيارات، لتنقل مباشرة إلى لقطة قريبة لندى وهي تقلب هاتفها المحمول، وتعود الكاميرا إلى لقطة كبيرة لجذب انتباه المتفرج إلى الشاحنة وهي تقترب من سيارة ندى، فلقطة قريبة لذهول كاريس من السيارة التي تداهمها، فلقطة كبيرة للاصطدام، ومنها إلى لقطة قريبة لإصابة ندى، وثانية قريبة من الاتجاه المعاكس ليصور إصابتها من داخل السيارة.

%d8%b4%d9%83%d8%b1%d8%a7-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d9%86

الاستخدام الفني للكاميرا في بناء اللقطات عزز التأثير الدرامي للمشهد، وقد بدت كاميرا الليث حجو تتصرف كما لو أنها شاهد على الحادث من لحم ودم تنتقل بالمشاهد من مكان إلى آخر  بما يشبع فضوله، ساعدها في ذلك تجزئة الفعل وإيقاعه البطيء.

كاميرا الليث حجو ستعود لتبدي قدرة تعبيرية عالية في المشهد الرابع، حين يعود رياض إلى منزله من المشفى، حيث ترك ندى في غيبوبة تواجه مصيراً مجهولاً، ليشرع ما أن يدخله بمحو آثار الخطيئة التي تسببت لها بالحادث، وذلك وفق مقترح رمزي هو الأجمل للثنائي أبو الشامات وحجو في خماسية “شكراً على النسيان” ، وفيه يعتمد الليث حجم مماثل لكل لقطات المشهد، ،فيكون هذا الأخير من سلسلة لقطات قريبة، تبدأ بلقطة لقدم رياض وهو يدخل غرفة نومه، ثم لقطة لوجه، وثالثة وهو ينتزع الشرشف عن السرير، ورابعة وهو يضع مسحوق الغسيل في الغسالة، وخامسة وهو يدفع الشرشف إلى داخل الغسالة ويغلق بابها ويدير محركها، وسادسة أوسع قليلاً وهو يجلس  باكياً على الأرض وفي عمق اللقطة يدور محرك الغسالة بالشرشف الذي فيها.

يداعب المشهد على هذا النحو مخيلة المتفرج وذائقته الجمالية، فيخلق انطباعات مدهشة عنده، ويزيد من توتر الحدث رغم إيقاعه البطيء الظاهر.

%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%8a%d8%ab-%d8%ad%d8%ac%d9%88

في المشاهد الأربعة يبدو المضمون هاماً في مسار الحكاية، وسيعزز من أهميته هذه، الطريقة التي يُنقل بها، وبينما يوحي هذا المضمون أن الحكاية في خواتيمها، ستقوم الرؤية الإخراجية ببناء نوع من التوتر فيها بما يرفع درجة تشويقها، قبل أن تعود الأحداث بالتصاعد مع فقدان ندى ذاكرتها القريبة، وبذلك يتقاسم السيناريست والمخرج لعبة الإثارة و التشويق.

شاركها على الشبكات الاجتماعية

اقرأ أيضا : مقالات مشابهة

التعليقات

Leave a comment Html not supported